د. محمد حمد خليص الحربي
20-06-04, 04:05
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اليكم احد مقالتي والذي نشر قبل اسابيع بملحق الأربعاء بجريدة المدينه ارجو ان ينال استحسانكم
الخيارات بين التعريب والترجمة ولغة الأعاجم
في زمن مثل زماننا هذا والذي اصبح فيه العالم قرية صغيرة ، يواجه المسئولون على التعليم الجامعي والمتخصص صعوبات في إتخاذ القرارت حول الأفضلية بين تعريب المصطلحات والمستجدات إالى اللغة الأم ام الإعنمادعلى الترجمة ام تدريس المواد بلغة اجنبية .
فتدريس مادة بلغة غير لغة الأم بلا شك سيكون عائقا امام الدارسين والباحثين ، وتعلم لغة اجنبية يكون فيه درجة من الصعوبه على بعض الطلاب ، وهذا مما يسهم في اخفاقات ليس طالب العلم ذنب فيها ، وهذا يعود لعدة اسباب ومسببات منها انه يدرس بلغة غير لغته الأم وقد يخطئ في الترجمه فيتحول المعنى وتنقلب المفاهيم ، وتصحيحا لهذا الوضع تقع مهمة كبيره على عاتق المسؤلين في مجامع اللغة والمسؤلين في وزارات التعليم بكل مستوياته ، ومن المفترض ان يجتمع المسئولين في كل انحاء العالم العربي ويتخذوا قرارا مصيريا وحاسما حول تعريب المواد او التعليم بلغة اجنبية وعليهم ان يقرروا ويعتمدوا الإجرآت التنفيذيه لتطبيق ما يقرروه وعمل آليه لتطبيقه ، فعدم اتضاح الرؤية المستقبلية لدى طلاب العلم تضعهم في دوامة لا يكادوا يفيقوا منها ، فلكل من الترجمة والتعريب ايجابيات وسلبيات تتراوح اهميتها في نظر المسؤلين وطلاب العلم ، فالبعض ممن يؤيد التدريس بلغة اجنبية يرى انه قد يفتح المجال للخريج ليعمل بعد تخرجة اينما اتيحت له فرصة العمل نظرا لتمكنه من اللغة الإنجليزية والتي تعتبر اللغة الأولى عالميا ، ولكنهم لم يضعوا في الإعتبار هجرة العقول والطاقات العربية إلى الخارج واستنزاف أهم الموارد البشرية للبلاد. اما بما يخص التعريب والترجمة ، فلا بد لنا من وقفه صادقه للتبصر بما يدور حولنا قبل اتخاذ القرار ووجب علينا أن دراسة تجارب الآخرين من حولنا وتنشيط عملية الترجمة ، فاليابان على سبيل المثال لدية مركز متخصص يقوم بترجمة الكتب التي تصدر يوميا من كل لغات العالم إلى اللغة اليابانية ، دون الأهتمام بمادة الكتاب أو الكاتب أو اي اعتبارات أخرى ، ومن ثم يودع في المكتبة المركزية ، وبذلك العمل يسهل عملية البحث والتقصي لأي باحث او دارس في الخوض في بحور من المعرفة ليس لها قرار . أما التعريب ( فهو صوغ الكلمة بصيغة عربية عند نقلها بلفظها الأجنبي إلى اللغة العربية) وذلك حفاظا على اللغة العربية من خطورة دخول العديد من المصطلحات الأجنبية ولتسهيل عملية الترجمة من أي لغة إلى لغتنا الحبيبة ومن اجل الإرتقاء بالمستوى التعليمي لطلاب العلم ، مما ينعكس حتما على المسيرة التعليمية والتحصيل العلمي .
فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم وقد خصها الله لأمة كرمها الله وارسل فيها خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام ، وكانه بذلك يشير إلى انها اللغة العالمية والتي يجب ان تكون كذلك لقوله تعالى: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) صدق الله العظيم ، ومن اعتنق الإسلام فعلية تعلم العربية ليتمكن من قراءة القرآن ، ويقول عنها الشاعر:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن *** فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي ؟
وسعت كتاب الله لفـــــظاً وغاية *** وما ضقـــت عن آي به وعـظــــاتِ
فاتهام العربية بالقصور عن الوفاء بالمتطلبات المعرفية لا أساس له من الصحة، ولكن لا بد لنا من الإقرار بوجود عوائق كبيرة على طريق التعريب، لا تتمحور كلها حول المصاعب والعقبات الإجرائية كما قد يُظن، بل منها ما يرجع إلى الأزمة المعرفية التي تعانيها الأمة، فأية مسيرة جادة للتعريب ستعجز حتماً عن اللحاق بمستجدات المعارف والتقنيات الأجنبية، والتي تشهد انفجاراً معلوماتياً لا يُتوقع له إلا أن يتضخم .
والتعريب مطلب ديني ايضا يحتم علينا العمل به فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله : وأما الخطاب بها ( أي بلغة الأعاجم ) من غير حاجة في أسماء الناس والشهود كالتواريخ ونحو ذلك فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب ، وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضا.
ونقل عن الشافعي قوله : سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجارا ، ولم تزل العرب تسميهم التجار ، ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب ، والسماسرة اسم من أسماء العجم ، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجرا إلا تاجرا ولا ينطق بالعربية فيسمى شيئا بالعجمية ، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب ، فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا نقول ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها اللسان الأوْلى بأن يكون مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية . انتهى . وأما أن يتكلم الرجل بالكلمة الواحدة من دون أن يكون هناك اعتزاز بلغة القوم كأن يكون الحامل له على ذلك الكلام أن يكون المُخاطَب يفهم تلك اللغة أكثر من غيرها ، وعليه يُحمل ما رواه البخاري في الصحيح من حديث أم خالد بنت خالد رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كساها خميصة سوداء ثم قال لها : يا أم خالد هذا سنا . والسنا بلسان الحبشة الحَسَن . وقد وُلِدت أم خالد هذه بأرض الحبشة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب ، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا أو قد اعتاد العجمية يريدون تقريب الأفهام عليه.
فاللغة العربية هي لسان العربي وشعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون .
ولن يتسنى لحركة الترجمة والتعريب أن تواكب حركة علمية أجنبية تتجاوز نفسها في زمن قياسي مع وجود العوائق وهذه
العوائق الموضوعية لا يمكن إرجاعها بحال إلى اللغة العربية ذاتها أو إلى حركة الترجمة والتعريب على افتراض جديتها ودأبها، وإنما ترجع أساساً إلى الوضعية الخاطئة التي تتخذها أمتنا من علوم العصر ومعارفه، فكان على لغتنا الجميلة الإتباع، والمخرج الحقيقي أن يرقى بها أبناؤها لتكون قالباً للإبداع المعرفي الحثيث، ولعلّ ذلك يرتبط أساساً بقضية النهضة الحضارية بأفقها الواسع.
ومن العوائق الملموسة إلى جانب ذلك الافتقار إلى القرار السياسي الذي يوفر السقف اللازم لهذه الحركة، فضلاً عن التجزئة التي تعانيها البلدان العربية مما يستدعي مجهوداً تنسيقياً شاقاً.
وننوه في هذا الصدد إلى إنشاء 'المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي' التابع لجامعة الدول العربية في العام 1961م، وهو يضطلع بمجهود مبارك لتلافي انعكاسات آفة التجزئة على حركة التعريب، ويصدر مجلته التخصصية 'اللسان العربي'.
وينبغي أن تترافق حملة التعريب مع جملة من الترتيبات والوسائل، التي تمثل متطلبات نجاحها، منعاً لها من أن تصل إلى طريق مسدود، وذلك مثل:
• تنمية مشاعر الاعتزاز باللغة العربية والانتماء إليها.
• سنّ القوانين والتشريعات التي تجعل لغة القرآن الكريم هي لغة العلم والتعليم في المعاهد والمؤسسات التعليمية، والرقي بمستوى مادة اللغة العربية مع توظيف أرقى الوسائل التربوية والإيضاحية الحديثة في تعليمها.
• منح الامتيازات للعاملين في حقل التعريب لتشجيع المختصين على الإبداع في هذا الميدان.
• تعميم المصطلحات العربية والمعرّبة في البلدان الإسلامية، وإصدار معاجم متخصصة في كافة حقول العلوم والمعارف والاحتياجات القانونية والتربوية، فإشاعة هذه المصطلحات يضمن عدم بقائها محصورة بين النخب.
• تفعيل دور مجامع اللغة العربية القائمة في عدد من العواصم، وإنشاء أكاديميات للتعريب ترعى تأهيل الكفاءات المتخصصة التي يتطلبها هذا المشروع الحضاري العملاق.
• إقامة ندوات لمناقشة مشكلات التعريب وسبل حلها، وتفعيل أدوار مكاتب التنسيق والمتابعة.
• الإسهام الفاعل لوسائل الإعلام في حملة التعريب الشاملة، مع مكافحة استشراء اللهجات العامية والتعابير الدخيلة في المواد البرامجية والأعمال الإعلامية والفنية.
• التأكيد على دور البيئة المنزلية في تلقين لغة الضاد للأجيال الصاعدة منذ نعومة أظفارها، وتوفير الوسائل اللازمة لبعث هذا الدور.
• القيام بحملات توعية جماهيرية شاملة لتفعيل المجتمع مع حركة التعريب.
• عدم الاقتصار في هذه الحركة العملاقة على أداء الدوائر الرسمية، بل ينبغي تحريك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية لتعزيزها ورفدها.
• دعم تعليم اللغة العربية في المناطق الإسلامية غير الناطقة بها، على اعتبار أنّ ذلك متطلب شرعي لكل المسلمين.
• إقامة معاهد متخصصة في مختلف أرجاء العالم لتعليم اللغة العربية، ونشر الأدب العربي، وروائع الحضارة الإسلامية بين الأمم والشعوب الأخرى. والمعلوم أنّ المعاهد الاستشراقية في الدول الغربية تطرح برامج لتعليم اللغة العربية، فضلاً عن نشاط الكليات الشرقية في العديد من جامعات العالم المرموقة.
• إحياء الفصحى على ألسنة العامة بدلاً من اللهجات الدارجة، على أنّ ذلك يقتضي مبادرة جادة في هذا الاتجاه تشرع بها وسائل الإعلام ودوائر التعليم والأسرة كذلك .
ففي زمننا هذا ( زمن العولمة ) يستوعب العالم خليطاً عجيباً من آلاف اللغات، إلاّ أنّ عدداً قليلاً منها فقط يحظى بالنفوذ الحقيقي على ألسنة بني البشر. وهذا العدد القليل يتسم بالتدافع والتحرك بشكل ظاهر. فإذا عُدنا عدة قرون إلى الوراء، فإننا سنلمس نفوذاً واسعاً للغة العربية، يغطي أرض الإسلام التي كاد ألاّ تغيب عنها الشمس، وتعدُّ اللغة العربية واحدة من أهم اللغات الحية في عالم اليوم، إذ يتحدث بها نحو 235 مليون نسمة، وتقع بذلك في المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد المتكلمين بها، فتتقدم من هذه الناحية على اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية والبرتغالية واليابانية. وتعتبر العربية من بين اللغات القليلة المعتمدة في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التابعة لها. ولكنها وللأسف انحسر مع تضعضع الدولة الإسلامية شيئاً فشيئاً، حتى طوردت العربية في معاقلها باللغات الأجنبية وباللهجات الدارجة التي جرت مساعٍ مشبوهة لتقعيدها وإنزالها موقع الفصيحة !.
ففي واقع الأمر اللغة العربية تعاني من غربة وسط وطنها وجفوة بعض أبنائها وهذا أمر ليس مستحدثاً على اللغة العربية؛ فهي تتعرض لأشكال مختلفة من الغزو بين الوقت والآخر وتختلف أشكال هذا الغزو من بلد إلى بلد عربي آخر، حسب المؤثرات والظروف المختلفة للمجتمع.
وكم اتمنى أن ارى نشاطا ملموسا في حركة الترجمة والتعريب في بلادنا العربية ، وبشكل منسق ومدروس وموحد وعلى اسس علمية متفق عليه باجماع اللغويين ومجامع اللغة ، لتستعيد بعض امجادها وتصبح منارا يهدي الحيارى كما قدر لها ومنبعا ينهل منه طلاب العلم والباحثين عن كنوز المعرفة .
د. محمد حمد خليص الحربي
تحياااااااااااتي
اليكم احد مقالتي والذي نشر قبل اسابيع بملحق الأربعاء بجريدة المدينه ارجو ان ينال استحسانكم
الخيارات بين التعريب والترجمة ولغة الأعاجم
في زمن مثل زماننا هذا والذي اصبح فيه العالم قرية صغيرة ، يواجه المسئولون على التعليم الجامعي والمتخصص صعوبات في إتخاذ القرارت حول الأفضلية بين تعريب المصطلحات والمستجدات إالى اللغة الأم ام الإعنمادعلى الترجمة ام تدريس المواد بلغة اجنبية .
فتدريس مادة بلغة غير لغة الأم بلا شك سيكون عائقا امام الدارسين والباحثين ، وتعلم لغة اجنبية يكون فيه درجة من الصعوبه على بعض الطلاب ، وهذا مما يسهم في اخفاقات ليس طالب العلم ذنب فيها ، وهذا يعود لعدة اسباب ومسببات منها انه يدرس بلغة غير لغته الأم وقد يخطئ في الترجمه فيتحول المعنى وتنقلب المفاهيم ، وتصحيحا لهذا الوضع تقع مهمة كبيره على عاتق المسؤلين في مجامع اللغة والمسؤلين في وزارات التعليم بكل مستوياته ، ومن المفترض ان يجتمع المسئولين في كل انحاء العالم العربي ويتخذوا قرارا مصيريا وحاسما حول تعريب المواد او التعليم بلغة اجنبية وعليهم ان يقرروا ويعتمدوا الإجرآت التنفيذيه لتطبيق ما يقرروه وعمل آليه لتطبيقه ، فعدم اتضاح الرؤية المستقبلية لدى طلاب العلم تضعهم في دوامة لا يكادوا يفيقوا منها ، فلكل من الترجمة والتعريب ايجابيات وسلبيات تتراوح اهميتها في نظر المسؤلين وطلاب العلم ، فالبعض ممن يؤيد التدريس بلغة اجنبية يرى انه قد يفتح المجال للخريج ليعمل بعد تخرجة اينما اتيحت له فرصة العمل نظرا لتمكنه من اللغة الإنجليزية والتي تعتبر اللغة الأولى عالميا ، ولكنهم لم يضعوا في الإعتبار هجرة العقول والطاقات العربية إلى الخارج واستنزاف أهم الموارد البشرية للبلاد. اما بما يخص التعريب والترجمة ، فلا بد لنا من وقفه صادقه للتبصر بما يدور حولنا قبل اتخاذ القرار ووجب علينا أن دراسة تجارب الآخرين من حولنا وتنشيط عملية الترجمة ، فاليابان على سبيل المثال لدية مركز متخصص يقوم بترجمة الكتب التي تصدر يوميا من كل لغات العالم إلى اللغة اليابانية ، دون الأهتمام بمادة الكتاب أو الكاتب أو اي اعتبارات أخرى ، ومن ثم يودع في المكتبة المركزية ، وبذلك العمل يسهل عملية البحث والتقصي لأي باحث او دارس في الخوض في بحور من المعرفة ليس لها قرار . أما التعريب ( فهو صوغ الكلمة بصيغة عربية عند نقلها بلفظها الأجنبي إلى اللغة العربية) وذلك حفاظا على اللغة العربية من خطورة دخول العديد من المصطلحات الأجنبية ولتسهيل عملية الترجمة من أي لغة إلى لغتنا الحبيبة ومن اجل الإرتقاء بالمستوى التعليمي لطلاب العلم ، مما ينعكس حتما على المسيرة التعليمية والتحصيل العلمي .
فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم وقد خصها الله لأمة كرمها الله وارسل فيها خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام ، وكانه بذلك يشير إلى انها اللغة العالمية والتي يجب ان تكون كذلك لقوله تعالى: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) صدق الله العظيم ، ومن اعتنق الإسلام فعلية تعلم العربية ليتمكن من قراءة القرآن ، ويقول عنها الشاعر:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن *** فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي ؟
وسعت كتاب الله لفـــــظاً وغاية *** وما ضقـــت عن آي به وعـظــــاتِ
فاتهام العربية بالقصور عن الوفاء بالمتطلبات المعرفية لا أساس له من الصحة، ولكن لا بد لنا من الإقرار بوجود عوائق كبيرة على طريق التعريب، لا تتمحور كلها حول المصاعب والعقبات الإجرائية كما قد يُظن، بل منها ما يرجع إلى الأزمة المعرفية التي تعانيها الأمة، فأية مسيرة جادة للتعريب ستعجز حتماً عن اللحاق بمستجدات المعارف والتقنيات الأجنبية، والتي تشهد انفجاراً معلوماتياً لا يُتوقع له إلا أن يتضخم .
والتعريب مطلب ديني ايضا يحتم علينا العمل به فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله : وأما الخطاب بها ( أي بلغة الأعاجم ) من غير حاجة في أسماء الناس والشهود كالتواريخ ونحو ذلك فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب ، وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضا.
ونقل عن الشافعي قوله : سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجارا ، ولم تزل العرب تسميهم التجار ، ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب ، والسماسرة اسم من أسماء العجم ، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجرا إلا تاجرا ولا ينطق بالعربية فيسمى شيئا بالعجمية ، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب ، فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا نقول ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها اللسان الأوْلى بأن يكون مرغوبا فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية . انتهى . وأما أن يتكلم الرجل بالكلمة الواحدة من دون أن يكون هناك اعتزاز بلغة القوم كأن يكون الحامل له على ذلك الكلام أن يكون المُخاطَب يفهم تلك اللغة أكثر من غيرها ، وعليه يُحمل ما رواه البخاري في الصحيح من حديث أم خالد بنت خالد رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كساها خميصة سوداء ثم قال لها : يا أم خالد هذا سنا . والسنا بلسان الحبشة الحَسَن . وقد وُلِدت أم خالد هذه بأرض الحبشة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب ، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا أو قد اعتاد العجمية يريدون تقريب الأفهام عليه.
فاللغة العربية هي لسان العربي وشعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون .
ولن يتسنى لحركة الترجمة والتعريب أن تواكب حركة علمية أجنبية تتجاوز نفسها في زمن قياسي مع وجود العوائق وهذه
العوائق الموضوعية لا يمكن إرجاعها بحال إلى اللغة العربية ذاتها أو إلى حركة الترجمة والتعريب على افتراض جديتها ودأبها، وإنما ترجع أساساً إلى الوضعية الخاطئة التي تتخذها أمتنا من علوم العصر ومعارفه، فكان على لغتنا الجميلة الإتباع، والمخرج الحقيقي أن يرقى بها أبناؤها لتكون قالباً للإبداع المعرفي الحثيث، ولعلّ ذلك يرتبط أساساً بقضية النهضة الحضارية بأفقها الواسع.
ومن العوائق الملموسة إلى جانب ذلك الافتقار إلى القرار السياسي الذي يوفر السقف اللازم لهذه الحركة، فضلاً عن التجزئة التي تعانيها البلدان العربية مما يستدعي مجهوداً تنسيقياً شاقاً.
وننوه في هذا الصدد إلى إنشاء 'المكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي' التابع لجامعة الدول العربية في العام 1961م، وهو يضطلع بمجهود مبارك لتلافي انعكاسات آفة التجزئة على حركة التعريب، ويصدر مجلته التخصصية 'اللسان العربي'.
وينبغي أن تترافق حملة التعريب مع جملة من الترتيبات والوسائل، التي تمثل متطلبات نجاحها، منعاً لها من أن تصل إلى طريق مسدود، وذلك مثل:
• تنمية مشاعر الاعتزاز باللغة العربية والانتماء إليها.
• سنّ القوانين والتشريعات التي تجعل لغة القرآن الكريم هي لغة العلم والتعليم في المعاهد والمؤسسات التعليمية، والرقي بمستوى مادة اللغة العربية مع توظيف أرقى الوسائل التربوية والإيضاحية الحديثة في تعليمها.
• منح الامتيازات للعاملين في حقل التعريب لتشجيع المختصين على الإبداع في هذا الميدان.
• تعميم المصطلحات العربية والمعرّبة في البلدان الإسلامية، وإصدار معاجم متخصصة في كافة حقول العلوم والمعارف والاحتياجات القانونية والتربوية، فإشاعة هذه المصطلحات يضمن عدم بقائها محصورة بين النخب.
• تفعيل دور مجامع اللغة العربية القائمة في عدد من العواصم، وإنشاء أكاديميات للتعريب ترعى تأهيل الكفاءات المتخصصة التي يتطلبها هذا المشروع الحضاري العملاق.
• إقامة ندوات لمناقشة مشكلات التعريب وسبل حلها، وتفعيل أدوار مكاتب التنسيق والمتابعة.
• الإسهام الفاعل لوسائل الإعلام في حملة التعريب الشاملة، مع مكافحة استشراء اللهجات العامية والتعابير الدخيلة في المواد البرامجية والأعمال الإعلامية والفنية.
• التأكيد على دور البيئة المنزلية في تلقين لغة الضاد للأجيال الصاعدة منذ نعومة أظفارها، وتوفير الوسائل اللازمة لبعث هذا الدور.
• القيام بحملات توعية جماهيرية شاملة لتفعيل المجتمع مع حركة التعريب.
• عدم الاقتصار في هذه الحركة العملاقة على أداء الدوائر الرسمية، بل ينبغي تحريك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية لتعزيزها ورفدها.
• دعم تعليم اللغة العربية في المناطق الإسلامية غير الناطقة بها، على اعتبار أنّ ذلك متطلب شرعي لكل المسلمين.
• إقامة معاهد متخصصة في مختلف أرجاء العالم لتعليم اللغة العربية، ونشر الأدب العربي، وروائع الحضارة الإسلامية بين الأمم والشعوب الأخرى. والمعلوم أنّ المعاهد الاستشراقية في الدول الغربية تطرح برامج لتعليم اللغة العربية، فضلاً عن نشاط الكليات الشرقية في العديد من جامعات العالم المرموقة.
• إحياء الفصحى على ألسنة العامة بدلاً من اللهجات الدارجة، على أنّ ذلك يقتضي مبادرة جادة في هذا الاتجاه تشرع بها وسائل الإعلام ودوائر التعليم والأسرة كذلك .
ففي زمننا هذا ( زمن العولمة ) يستوعب العالم خليطاً عجيباً من آلاف اللغات، إلاّ أنّ عدداً قليلاً منها فقط يحظى بالنفوذ الحقيقي على ألسنة بني البشر. وهذا العدد القليل يتسم بالتدافع والتحرك بشكل ظاهر. فإذا عُدنا عدة قرون إلى الوراء، فإننا سنلمس نفوذاً واسعاً للغة العربية، يغطي أرض الإسلام التي كاد ألاّ تغيب عنها الشمس، وتعدُّ اللغة العربية واحدة من أهم اللغات الحية في عالم اليوم، إذ يتحدث بها نحو 235 مليون نسمة، وتقع بذلك في المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد المتكلمين بها، فتتقدم من هذه الناحية على اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية والبرتغالية واليابانية. وتعتبر العربية من بين اللغات القليلة المعتمدة في هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التابعة لها. ولكنها وللأسف انحسر مع تضعضع الدولة الإسلامية شيئاً فشيئاً، حتى طوردت العربية في معاقلها باللغات الأجنبية وباللهجات الدارجة التي جرت مساعٍ مشبوهة لتقعيدها وإنزالها موقع الفصيحة !.
ففي واقع الأمر اللغة العربية تعاني من غربة وسط وطنها وجفوة بعض أبنائها وهذا أمر ليس مستحدثاً على اللغة العربية؛ فهي تتعرض لأشكال مختلفة من الغزو بين الوقت والآخر وتختلف أشكال هذا الغزو من بلد إلى بلد عربي آخر، حسب المؤثرات والظروف المختلفة للمجتمع.
وكم اتمنى أن ارى نشاطا ملموسا في حركة الترجمة والتعريب في بلادنا العربية ، وبشكل منسق ومدروس وموحد وعلى اسس علمية متفق عليه باجماع اللغويين ومجامع اللغة ، لتستعيد بعض امجادها وتصبح منارا يهدي الحيارى كما قدر لها ومنبعا ينهل منه طلاب العلم والباحثين عن كنوز المعرفة .
د. محمد حمد خليص الحربي
تحياااااااااااتي