ليدي
05-09-05, 06:47
مساكم الله بالخير أحبتي
ذات يوم، سأل أحد الصحافيين الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي عن مفهومه لعلم الاجتماع، فكشف تولستوي عن ظهره وقال له: إنه مكتوب على ظهري، فاقرأه.
و”علم الاجتماع عندنا، في الدول العربية، مكتوب على الظهور، والبطون، والأقفية، والوجوه، وما يسقط منه يظهر على اللافتات المكتوبة على الشاحنات، وسيارات النقل العام الكبيرة.
و”سوق الخضرة” في أية مدينة في العالم هو معدة المدينة، أما في الدول العربية، فإنه كلية جامعية كاملة لعلم الاجتماع، حيث تتلمس فيه نبض الناس، وهواجسهم، ومشاكلهم، عن طريق قراءة العبارات التي يكتبونها على شاحناتهم.
والذين يترددون على أسواق الخضار التي تستقبل الشاحنات القادمة من الدول العربية، يلاحظون أن معظم هذه الشاحنات تحمل عبارات من نوع “يا ناس يا قر.. كفاية شر” أو “عين الحسود فيها عود” أو “عين الحسود تبلى بالعمى”، إلى آخر ما هنالك من عبارات لا ترى في الناس إلا الشر والحسد والأذية، في ظاهرة لا مثيل لها في أية دولة من دول العالم، وربما ترى شاحنة أكل الدهر عليها وشرب تحمل عبارة “ما تبصليش بعين ردية، وشوف اللي اندفع فيا” في إشارة لغلاء الاسعار، وربما كان هذا هو السبب الذي يدفع البعض إلى “تدليل “ الشاحنة، والتغزل بها، وإطلاق مسميات تحمل مدلولات عاطفية عليها.
وبعض الشاحنات تحمل عبارات عاطفية تعكس هواجس صاحبها، فهذا سائق يشكو الليل إلى العين أو العكس، وآخر يوجه رسالة إلى مجهولة، ويخاطبها بقوله “يا مسهرني” وثالث كتب على الشاحنة “إلحقني وخذ بوسة”، ولا ندري ما هو المقصود بهذه العبارة بالنسبة لسائق شاحنة يسير على طريق دولي بسرعة تزيد على 150 كيلومتراً في الساعة، وهل عبارته دعوة لكي يدخل الحبيب معه في مطاردة بالشاحنات، على طريقة الأفلام الأمريكية؟
ومتابعة العبارات المكتوبة على الشاحنات عملية لا تخلو من المتعة، وهي تكشف لنا أن الهواجس التي يعاني منها سائقوها تتخلص في اثنين: أولهما هو أن كل الناس أشرار يحسدونه على النعمة التي يرفل بها، ويتمنون زوالها عنه، رغم أن هذه النعمة تكون شبه زائلة بطبيعتها وثانيهما هو الكبت العاطفي. وفي الماضي، كتب الجبرتي كتابا بعنوان “إغاثة الأمة بكشف الغمة” اعتبر فيه كتاب العرضحالات التي يقدمها الناس إلى الدوائر الحكومية كتاب إغاثة، لأنهم يغيثون المظلوم ويخففون عنه ما يعاني من ضيق، ويكتبون له عرضحال وهم يعرفون، وهو يعرف، إنه لن يؤدي إلى حل مشكلته .
وقبل ما يزيد على ربع قرن من الزمن، لفتت ظاهرة الرسائل الموجهة على الشاحنات والسيارات نظر عالم اجتماع عربي بارز هو الدكتور سيد عويس، فأمضى ما يزيد على ثلاث سنوات يجوب الشوارع ومحطات وقوف السيارات والباصات والشاحنات، يتأمل فيها، ويدون العبارات المكتوبة عليها، وكتب بعد هذه المدة كتابا طريفا بعنوان “هتاف الصامتين”..
و”الصامتون” هم المسحوقون حتى النخاع، ويقول الدكتور عويس في كتابه أن هؤلاء يحاولون، من باب التنفيس عما تضطرم به أفئدتهم من أفكار وأحاسيس تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، التعبير عن هذه الأفكار والأحاسيس على هياكل السيارات والشاحنات، بعبارات تتبرم بالحسد وضيق العين، وتدعو إلى العدالة والحق والخير.
ولنا أن نتساءل عن السبب الذي يدفع شخصا ما إلى النظر إلى مجتمعه هذه النظرة، وهل الخطأ في قيمنا الاجتماعية، أم في نفوسنا؟
تحياتي
ذات يوم، سأل أحد الصحافيين الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي عن مفهومه لعلم الاجتماع، فكشف تولستوي عن ظهره وقال له: إنه مكتوب على ظهري، فاقرأه.
و”علم الاجتماع عندنا، في الدول العربية، مكتوب على الظهور، والبطون، والأقفية، والوجوه، وما يسقط منه يظهر على اللافتات المكتوبة على الشاحنات، وسيارات النقل العام الكبيرة.
و”سوق الخضرة” في أية مدينة في العالم هو معدة المدينة، أما في الدول العربية، فإنه كلية جامعية كاملة لعلم الاجتماع، حيث تتلمس فيه نبض الناس، وهواجسهم، ومشاكلهم، عن طريق قراءة العبارات التي يكتبونها على شاحناتهم.
والذين يترددون على أسواق الخضار التي تستقبل الشاحنات القادمة من الدول العربية، يلاحظون أن معظم هذه الشاحنات تحمل عبارات من نوع “يا ناس يا قر.. كفاية شر” أو “عين الحسود فيها عود” أو “عين الحسود تبلى بالعمى”، إلى آخر ما هنالك من عبارات لا ترى في الناس إلا الشر والحسد والأذية، في ظاهرة لا مثيل لها في أية دولة من دول العالم، وربما ترى شاحنة أكل الدهر عليها وشرب تحمل عبارة “ما تبصليش بعين ردية، وشوف اللي اندفع فيا” في إشارة لغلاء الاسعار، وربما كان هذا هو السبب الذي يدفع البعض إلى “تدليل “ الشاحنة، والتغزل بها، وإطلاق مسميات تحمل مدلولات عاطفية عليها.
وبعض الشاحنات تحمل عبارات عاطفية تعكس هواجس صاحبها، فهذا سائق يشكو الليل إلى العين أو العكس، وآخر يوجه رسالة إلى مجهولة، ويخاطبها بقوله “يا مسهرني” وثالث كتب على الشاحنة “إلحقني وخذ بوسة”، ولا ندري ما هو المقصود بهذه العبارة بالنسبة لسائق شاحنة يسير على طريق دولي بسرعة تزيد على 150 كيلومتراً في الساعة، وهل عبارته دعوة لكي يدخل الحبيب معه في مطاردة بالشاحنات، على طريقة الأفلام الأمريكية؟
ومتابعة العبارات المكتوبة على الشاحنات عملية لا تخلو من المتعة، وهي تكشف لنا أن الهواجس التي يعاني منها سائقوها تتخلص في اثنين: أولهما هو أن كل الناس أشرار يحسدونه على النعمة التي يرفل بها، ويتمنون زوالها عنه، رغم أن هذه النعمة تكون شبه زائلة بطبيعتها وثانيهما هو الكبت العاطفي. وفي الماضي، كتب الجبرتي كتابا بعنوان “إغاثة الأمة بكشف الغمة” اعتبر فيه كتاب العرضحالات التي يقدمها الناس إلى الدوائر الحكومية كتاب إغاثة، لأنهم يغيثون المظلوم ويخففون عنه ما يعاني من ضيق، ويكتبون له عرضحال وهم يعرفون، وهو يعرف، إنه لن يؤدي إلى حل مشكلته .
وقبل ما يزيد على ربع قرن من الزمن، لفتت ظاهرة الرسائل الموجهة على الشاحنات والسيارات نظر عالم اجتماع عربي بارز هو الدكتور سيد عويس، فأمضى ما يزيد على ثلاث سنوات يجوب الشوارع ومحطات وقوف السيارات والباصات والشاحنات، يتأمل فيها، ويدون العبارات المكتوبة عليها، وكتب بعد هذه المدة كتابا طريفا بعنوان “هتاف الصامتين”..
و”الصامتون” هم المسحوقون حتى النخاع، ويقول الدكتور عويس في كتابه أن هؤلاء يحاولون، من باب التنفيس عما تضطرم به أفئدتهم من أفكار وأحاسيس تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، التعبير عن هذه الأفكار والأحاسيس على هياكل السيارات والشاحنات، بعبارات تتبرم بالحسد وضيق العين، وتدعو إلى العدالة والحق والخير.
ولنا أن نتساءل عن السبب الذي يدفع شخصا ما إلى النظر إلى مجتمعه هذه النظرة، وهل الخطأ في قيمنا الاجتماعية، أم في نفوسنا؟
تحياتي