الإعلامية المبدعة
29-04-08, 02:58
هل المثقف العربي متهِم أو متهَم؟ هل ضغوط السلطة من جانب وضغوط المجتمع من جانب آخر هي التي تحول بينه وبين أداء دوره كاملاً، أم أن ثمة أسباباً أيضاً وخصوصاً مردها إليه، سواء اتصلت بممالأته السلطة والمجتمع، أو اتصلت بمضمون فكره ومستواه ومدى قدرته على التأثير في السلطة أو المجتمع، أو اتصلت بمبلغ إدراكه مطالب المجتمع ومرتجياته؟ وفوق هذا وذاك، ما هو مدى التزام المثقف العربي بفكره وثقافته، بل ما مدى عمق انتمائه إليها؟
تساؤلات عريضة عديدة يطرحها منذ البداية الحديث عن المثقف العربي وضغوط المجتمع. وليس هدفنا من طرح بعضها منذ فاتحة حديثنا أن نحمل المثقف العربي وحده ما يتبدى لديه غالباً من فتور أو قصور في الدعوة إلى تغيير المجتمع ناجم عن التقصير في مواجهة ضغوطه مواجهة علمية واعية وصادقة. وكل ما هنالك أننا أردنا منذ البداية أن نؤكد أن العلاقة بين المثقف العربي والمجتمع علاقة دائرية، علاقة تأثر وتأثير متبادلين. فضغوط المجتمع المختلفة كثيراً ما تحول بين المثقف العربي وبين الانطلاق الحر الكامل في معارج الإبداع والعطاء بصوره الكثيرة. وفقر المحتوى العلمي والعقلي والتغييري والتجديدي لعطاء المثقف العربي في كثير من الأحيان، وعجزه غالباً عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع من أجل إدراك مستلزمات تغييره وضعف التزامه أحياناً بما تمليه عليه ثقافته، أمور تجعل قدرته على مخاطبة المجتمع منقوصة ومقصرة عن مداها.
على أن المسؤولية الأساسية في نظرنا، تجاه هذا الدور الفاسد (أو الحلقة المفرغة كما يقال) بين المثقف العربي والمجتمع تقع على عاتق المثقف أولاً. فهو بالتعريف من تقع عليه قيادة الفكر وتطويره لدى الجمهرة الكبرى من الناس، من أجل تغيير المجتمع وتطويره. وهو بحكم إيمانه بدور الفكر والثقافة في قيادة التغيير وبناء المجتمع المتحضر تقع عليه مسؤولية البرهنة على هذه الحقيقة وغرسها في وعي الناس، ونقلها من الأذهان إلى الأعيان، والوصول بها إلى مستوى العمل التطبيق.
وإذا نحن التمسنا التعريف الواسع لكلمة مثقف، قلنا مع قسطنطين زريق إن المثقف العربي هو الذي أوتي حظاً من الثقافة في بلد من البلدان العربية تؤهله للمساهمة أو المشاركة في حقول الفكر أو الأدب أو العلم بما في ذلك الاختصاص المهني. وتكتسب هذه الثقافة إما عن طريق التعلم الجامعي أو العالي بشكل من أشكاله، وإما عن طريق الإطلاع الشخصي والاكتساب الذاتي والممارسة في حقل من حقول الثقافة.
وهنالك، في إطار هذا التعريف العام للثقافة، مَن يستخدم كلمة مفكر بديلاً من كلمة مثقف، سعياً وراء توضيح مهام المثقف ودوره. وهذا ما يفعله سعد الدين إبراهيم في بحثه الشهير حول ((تجسير الفجوة بين صانعي القرارات والمفكرين العرب))، حين يبين أن المفكر هو ((مَن تكون صناعته الأساسية هي الفكر أو الثقافة، أو مَن يستحوذ الاشتغال بالفكر والثقافة على قدر كبير من طاقاته)).
ويعنينا نحن أن نؤكد من خلال هذه التعريفات المتعددة للثقافة والمثقفين، على التعريف الذي يبرز الدور الفكري القيادي للمثقفين، والذي يجعل منهم المعبرين عن ضمير الأمة، والعاملين، عن طريق الفكر، على تغيير واقع مجتمعاتهم ورسم المشروعات اللازمة لبناء مستقبلها.
ذلك أن مجتمعنا العربي يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى التجديد والتحديث والتغيير، وهذا التجديد لا يتم إلا عن طريق الإسهام الفعّال للنخبة المثقفة المبدعة. فلا مثقفين من دون عزم على التغيير، ولا تغيير من دون مثقفين مبدعين ملتزمين.
ـ المثقف العربي والمجتمع:
من خلال ما سبق أن ذكرنا، يحق لنا أن نتساءل من دون ما جمجمة: هل هنالك انفصام بين المثقف العربي والمجتمع العربي؟ وما أبعاد هذا الانفصام وما أسبابه؟
ولا شك في أن المثقف العربي يواجه انفصالاً مزدوجاً: الانفصال بينه وبين السلطة من جانب، والانفصال بينه وبين المجتمع من جانب آخر. وكلاهما لا يبلغ حد القطيعة طبعاً، غير أنهما كثيراً ما يتعاظمان ويشتدان. ونخف إلى القول إن الانفصال أو البعد عن المجتمع لا يقل عن الانفصال أو البعد عن السلطة، بل لعله أدهى وأمرّ. على أن كلا الانفصالين، نعني الانفصال بين المثقف والسلطة، والانفصال بين المثقف والمجتمع، متكامل إلى حد بعيد، وكل منهما يقود إلى تعميق الآخر. وبوجه خاص، من أهم العوامل التي تيسر للسلطة الحاكمة الضغط على المثقفين عجز هؤلاء عن تحقيق الالتحام العضوي بين عطائهم الثقافي وبين مطالب المجتمع العميقة، ذلك الالتحام الذي من شأنه، إذا توافر، أو يخفف أو يقضي على مقاومة السلطة للمثقفين، وأني قرب بالتالي بين عوامل التغيير الثلاثة الكبرى: السلطة السياسية والمجتمع والمثقفين.
فما هي إذاً أسباب الفرقة بين المثقفين العرب وبين المجتمع؟ المسؤولية بالتالي مسؤولية مزدوجة: فهنالك، في هذا الفراق، مسؤولية يتحملها المجتمع ومسؤولية يتحملها المثقفون. وهنالك أسباب للفصام راجعة إلى المثقفين وأخرى راجعة إلى المجتمع، على أن مسؤولية المثقفين عندنا تظل أكبر، بحكم دورهم الأساسي، دور تغيير المجتمع عن طريق الفكر والثقافة، كما قلنا ونقول.
ـ أسباب الانفصام الراجعة إلى المثقفين:
أول هذه الأسباب يلخصه علي موسي بالقول الآتي: ((وفي اعتقادي أن القضية الأساسية هي أن المفكرين لم يلجوا إلا القليل في المجالات التي تعني الأمة ... هذا الانفصال أفقدهم الوزن الذي يمكن أن يعطيهم الوزن اللازم في المعادلة)).
ذلك أن مهمة المثقف الأولى كما يقول برهان الدجاني: ((هي بلورة نواة لأفكار مجتمعية يلتحم المجتمع حولها ويسير تحت مظلتها)).
من البدهي القول إذاً أن تجاوب المجتمع مع المثقف رهن بقدرة هذا المثقف على أن يفصح عما يختلج في أعماق ذلك المجتمع من حاجات خفية، وأن يكشف من خلال تحليله وفهمه عن الرؤى والأنظار التي يشرئب إليها وجوده الحي، وإن تكن تلك الرؤى والأنظار خفية على الناظر العادي.
ولا يعني هذا أن بعض المثقفين العرب لم يضطلعوا بمثل هذه المهمة، فهنالك الكثيرون الذين ربطوا ربطاً وثيقاً بين أفكارهم وأنظارهم وبين حاجات المجتمع ونداءاته المستقبلية العميقة. غير أن كثرة المثقفين، في مقابل ذلك، ظلت في غربة عن تلك الحاجات، ولم تلامس من آفات المجتمع العربي ومطالبه وتوقه إلا القشرة السطحية، بل الزائفة أحياناً.
وحسبنا أن نقول ههنا بإيجاز إن انشغال الكثرة الكاثرة من المثقفين العرب عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع العربي وعن تحسس شعل التغيير والتجديد التي تغلي في باطنه، جعلهم في غربة عنه، وعطل دورهم الأساسي، دور تغييره من خلال الكشف عن حاجاته العميقة وصبواته الكامنة، بل إن بعض المثقفين حسبوا الظاهر باطناً والعابر باقياً والزائف صحيحاً، فجعلوا مهمتهم ودورهم تخليد البنى البالية والقيم المغلوطة والمفاهيم الشائعة الخاطئة.
تساؤلات عريضة عديدة يطرحها منذ البداية الحديث عن المثقف العربي وضغوط المجتمع. وليس هدفنا من طرح بعضها منذ فاتحة حديثنا أن نحمل المثقف العربي وحده ما يتبدى لديه غالباً من فتور أو قصور في الدعوة إلى تغيير المجتمع ناجم عن التقصير في مواجهة ضغوطه مواجهة علمية واعية وصادقة. وكل ما هنالك أننا أردنا منذ البداية أن نؤكد أن العلاقة بين المثقف العربي والمجتمع علاقة دائرية، علاقة تأثر وتأثير متبادلين. فضغوط المجتمع المختلفة كثيراً ما تحول بين المثقف العربي وبين الانطلاق الحر الكامل في معارج الإبداع والعطاء بصوره الكثيرة. وفقر المحتوى العلمي والعقلي والتغييري والتجديدي لعطاء المثقف العربي في كثير من الأحيان، وعجزه غالباً عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع من أجل إدراك مستلزمات تغييره وضعف التزامه أحياناً بما تمليه عليه ثقافته، أمور تجعل قدرته على مخاطبة المجتمع منقوصة ومقصرة عن مداها.
على أن المسؤولية الأساسية في نظرنا، تجاه هذا الدور الفاسد (أو الحلقة المفرغة كما يقال) بين المثقف العربي والمجتمع تقع على عاتق المثقف أولاً. فهو بالتعريف من تقع عليه قيادة الفكر وتطويره لدى الجمهرة الكبرى من الناس، من أجل تغيير المجتمع وتطويره. وهو بحكم إيمانه بدور الفكر والثقافة في قيادة التغيير وبناء المجتمع المتحضر تقع عليه مسؤولية البرهنة على هذه الحقيقة وغرسها في وعي الناس، ونقلها من الأذهان إلى الأعيان، والوصول بها إلى مستوى العمل التطبيق.
وإذا نحن التمسنا التعريف الواسع لكلمة مثقف، قلنا مع قسطنطين زريق إن المثقف العربي هو الذي أوتي حظاً من الثقافة في بلد من البلدان العربية تؤهله للمساهمة أو المشاركة في حقول الفكر أو الأدب أو العلم بما في ذلك الاختصاص المهني. وتكتسب هذه الثقافة إما عن طريق التعلم الجامعي أو العالي بشكل من أشكاله، وإما عن طريق الإطلاع الشخصي والاكتساب الذاتي والممارسة في حقل من حقول الثقافة.
وهنالك، في إطار هذا التعريف العام للثقافة، مَن يستخدم كلمة مفكر بديلاً من كلمة مثقف، سعياً وراء توضيح مهام المثقف ودوره. وهذا ما يفعله سعد الدين إبراهيم في بحثه الشهير حول ((تجسير الفجوة بين صانعي القرارات والمفكرين العرب))، حين يبين أن المفكر هو ((مَن تكون صناعته الأساسية هي الفكر أو الثقافة، أو مَن يستحوذ الاشتغال بالفكر والثقافة على قدر كبير من طاقاته)).
ويعنينا نحن أن نؤكد من خلال هذه التعريفات المتعددة للثقافة والمثقفين، على التعريف الذي يبرز الدور الفكري القيادي للمثقفين، والذي يجعل منهم المعبرين عن ضمير الأمة، والعاملين، عن طريق الفكر، على تغيير واقع مجتمعاتهم ورسم المشروعات اللازمة لبناء مستقبلها.
ذلك أن مجتمعنا العربي يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى التجديد والتحديث والتغيير، وهذا التجديد لا يتم إلا عن طريق الإسهام الفعّال للنخبة المثقفة المبدعة. فلا مثقفين من دون عزم على التغيير، ولا تغيير من دون مثقفين مبدعين ملتزمين.
ـ المثقف العربي والمجتمع:
من خلال ما سبق أن ذكرنا، يحق لنا أن نتساءل من دون ما جمجمة: هل هنالك انفصام بين المثقف العربي والمجتمع العربي؟ وما أبعاد هذا الانفصام وما أسبابه؟
ولا شك في أن المثقف العربي يواجه انفصالاً مزدوجاً: الانفصال بينه وبين السلطة من جانب، والانفصال بينه وبين المجتمع من جانب آخر. وكلاهما لا يبلغ حد القطيعة طبعاً، غير أنهما كثيراً ما يتعاظمان ويشتدان. ونخف إلى القول إن الانفصال أو البعد عن المجتمع لا يقل عن الانفصال أو البعد عن السلطة، بل لعله أدهى وأمرّ. على أن كلا الانفصالين، نعني الانفصال بين المثقف والسلطة، والانفصال بين المثقف والمجتمع، متكامل إلى حد بعيد، وكل منهما يقود إلى تعميق الآخر. وبوجه خاص، من أهم العوامل التي تيسر للسلطة الحاكمة الضغط على المثقفين عجز هؤلاء عن تحقيق الالتحام العضوي بين عطائهم الثقافي وبين مطالب المجتمع العميقة، ذلك الالتحام الذي من شأنه، إذا توافر، أو يخفف أو يقضي على مقاومة السلطة للمثقفين، وأني قرب بالتالي بين عوامل التغيير الثلاثة الكبرى: السلطة السياسية والمجتمع والمثقفين.
فما هي إذاً أسباب الفرقة بين المثقفين العرب وبين المجتمع؟ المسؤولية بالتالي مسؤولية مزدوجة: فهنالك، في هذا الفراق، مسؤولية يتحملها المجتمع ومسؤولية يتحملها المثقفون. وهنالك أسباب للفصام راجعة إلى المثقفين وأخرى راجعة إلى المجتمع، على أن مسؤولية المثقفين عندنا تظل أكبر، بحكم دورهم الأساسي، دور تغيير المجتمع عن طريق الفكر والثقافة، كما قلنا ونقول.
ـ أسباب الانفصام الراجعة إلى المثقفين:
أول هذه الأسباب يلخصه علي موسي بالقول الآتي: ((وفي اعتقادي أن القضية الأساسية هي أن المفكرين لم يلجوا إلا القليل في المجالات التي تعني الأمة ... هذا الانفصال أفقدهم الوزن الذي يمكن أن يعطيهم الوزن اللازم في المعادلة)).
ذلك أن مهمة المثقف الأولى كما يقول برهان الدجاني: ((هي بلورة نواة لأفكار مجتمعية يلتحم المجتمع حولها ويسير تحت مظلتها)).
من البدهي القول إذاً أن تجاوب المجتمع مع المثقف رهن بقدرة هذا المثقف على أن يفصح عما يختلج في أعماق ذلك المجتمع من حاجات خفية، وأن يكشف من خلال تحليله وفهمه عن الرؤى والأنظار التي يشرئب إليها وجوده الحي، وإن تكن تلك الرؤى والأنظار خفية على الناظر العادي.
ولا يعني هذا أن بعض المثقفين العرب لم يضطلعوا بمثل هذه المهمة، فهنالك الكثيرون الذين ربطوا ربطاً وثيقاً بين أفكارهم وأنظارهم وبين حاجات المجتمع ونداءاته المستقبلية العميقة. غير أن كثرة المثقفين، في مقابل ذلك، ظلت في غربة عن تلك الحاجات، ولم تلامس من آفات المجتمع العربي ومطالبه وتوقه إلا القشرة السطحية، بل الزائفة أحياناً.
وحسبنا أن نقول ههنا بإيجاز إن انشغال الكثرة الكاثرة من المثقفين العرب عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع العربي وعن تحسس شعل التغيير والتجديد التي تغلي في باطنه، جعلهم في غربة عنه، وعطل دورهم الأساسي، دور تغييره من خلال الكشف عن حاجاته العميقة وصبواته الكامنة، بل إن بعض المثقفين حسبوا الظاهر باطناً والعابر باقياً والزائف صحيحاً، فجعلوا مهمتهم ودورهم تخليد البنى البالية والقيم المغلوطة والمفاهيم الشائعة الخاطئة.