المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حياة بيكاسو


سعيد العلاوي
16-03-08, 07:09
حياة بيكاسو
سنوات ظافرة فرشاة المراهق تجلب الثروة

باتريك مكوغي

عارية أمام البحر
تعتبر الكتابة عن حياة فنان ما من أقدم الأنواع الأدبية في تاريخ الفن الحديث، لكن ريتشاردسون ليس كاتب سيرة من طراز تقليدي، ولم يكن يدون بأسلوب ساذج ما يعرفه عن حياة رجل قضي حياته في الفن. هناك لحظات مشحونة بالإيحاء حقا حينما كان الكاتب يربط بين تجربة بيكاسو مع التأمل الشخصي الدقيق لعمل من أعماله الفنية. انه يلاحظ علي سبيل المثال كيف يستلهم الرسام لوحة "عارية تقف أمام البحر" 1929 إلي حد كبير من مراقبة الأقواس الصخرية الشهيرة الموجودة في "ايترتا" والاستفادة منها كنموذج لسيقان المرأة. لغرض إثبات مغزي هذه الملاحظة، يعيد ريتشاردسون إلي أذهاننا لوحة كوربيه الشهيرة "منحدرات ايترتا بعد العاصفة" واضعا إياها إلي جنب صورة فوتوغرافية لبيكاسو وهو يقف أمام المنحدرات الشاهقة مع جورج براك وزوجته.
كانت شخصية بيكاسو في معظم أقسام الكتاب تدخل إلي بؤرة الاهتمام وتخرج منها بإيقاع وسلاسة، فحياته تمتزج ضمن خلفية أحداث غنية بالألوان تستغرق الانتباه. يتميز الكتاب بسمة التحرك بتلقائية كأنه فيلم سينمائي ــ وهذا شيء يتلائم تماما مع فترة العشرينات، حينما كانت الوسط الثقافي يبحث عن الأساليب الحديثة والذوق الشعبي علي حد سواء. في لحظة معينة نجد شخصية الفنان تتجسد ازاء حشد من معاصريه ؛ وفي لحظة لاحقة نراه في لقطات مقربة وهو يمارس طقوس الشعوذة في مرسمه. يقيد ريتشاردسون تناوله لبيكاسو في باريس العشرينات، عصر تميز بالمتناقضات ما بين خراب القيم والهراء والفراغ، الحفلات التنكرية، العروض المسرحية، الاستجمام علي ساحل القنال والرحلات الرخيصة إلي كوتدازور. لم يكن احد من قبل قد تناول بيكاسو وملابسات حياته الفنية بمثل هذه العنفوان الذي يسير بخطي واثقة.
يتجسد بيكاسو أمامنا من خلال كراهية وامتعاض فنانين معاصرين له من أمثال ديرين وبرانكوسي، الذي كان يسمي بيكاسو "المتوحش" لانه كما يدعي يسرق من فنانين آخرين بعد زيارة قام بها إلي مرسمه. كان روبرت ديلوني في الواقع يكرهه هو الآخر، حيث يقول في وصفه له "الهستيرية هي الكلمة الوحيدة التي يمكن ان تصلح لتوضيح تعقيدات هذا العقل المريض المعذب". ويشير المؤلف إلي "الهدنة ومرحلة تجديد الصداقة" التي حصلت مع ماتيس، تلك المحاولة التي لم تكن شيئا سهلا أبدا، فهما نادرا ما كانا قريبين كثيرا من بعضهما لكنهما حافظا علي الاحترام المتبادل فيما بينهما. الشيء المثير حقا ان بيكاسو كان يحرص علي بقاء صداقته مع جورج براك، تلك الصداقة التي تفككت عراها أثناء الحرب العالمية الأولي حينما شارك براك في القتال وأصيب بجرح بليغ علي الجبهة الغربية. لكن براك ظل بارد العواطف مبتعدا عن بيكاسو. لقد منح بيكاسو اشياء جيدة لاصدقاءه لكنه بدوره حصل علي ما يماثلها. كان يمقت عمارة الحداثة وأسلوب ماري لورينسن ويضمر الامتعاض من جوان غريس، التي كانت تابعته الحقيقية في فنه. لم يكن ثمة شيء يجعله يتردد في الثناء علي دالي لكن وفقا لطريقته هو "في الرسم تكون رائحة القذارة أفضل من عطر أي شخص اخر". تشمل كاميرا ريتشاردسون الواسعة الزوايا في منظورها جماعة جيرالد مورفي وآخرين غيرهم: سكوت وزيلدا فتزجيرالد، الذين كانوا يشكلون "مشكلة حقيقية" بالنسبة اليه. كان بيكاسو يجد في زيلدا المدمنة علي الكحول وذات التصرفات الفاضحة "مثيرة للخوف". لكن ريتشاردسون يستبعد كل الادعاءات والتخمينات بنوع من الذهنية المتأهبة لتمحيص ما تسمعه الأذن، حيث يتناول الأقاويل التي رواها و. س. روبن بان بيكاسو كان "متزوجا زواجا صوفيا" من سارا مورفي معتبرا ذلك "ثرثرة يستهجن المرء الاقتناع بها".
من وجهة نظر ريتشاردسون، كان التحول الذي حصل في حياة بيكاسو ليصبح برجوازيا، والشهرة التي جلبت له الثروة في مرحلة من المراهقة المتأخرة في بداية العشرينات قد قادت كذلك إلي تحرر جزئي تمثل في عودة إلي شكل من أشكال البوهيمية في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات. لقد اشر زواجه في 1918 من أولغا كوكلوفا، وهي راقصة باليه في فرقة سيرجي دياغيليف الروسية، بداية هذا التحول. كانت أولغا، التي يمكن اعتبارها واحدة من ضحايا تاريخ الفن في القرن العشرين، شابة جميلة ذات إرادة قوية بلا شك لكي تتحمل معاشرة ذلك الرجل الخليع إلي ان يتم الزواج.لقد انتقلا بعد الزواج إلي منزل يقع في رولا بويتيه علي الضفة اليمني من النهر، بعيدا عن معرفهم القدامي الذين لازموه طويلا من فناني التكعيبية الساخطين وصديقاته السابقات. كان ذلك المنزل فخما مريحا فيه رئيس خدم يرتدي قفازات بيض وطباخ وخادمة ايضا. لكن أولغا لم تكن تحب أصدقاء بيكاسو القدامي، وعلي الأخص الشاعر ماكس جاكوب، وبدا له انها ذات طبائع غريبة في تصميمها علي القيام بدور سيدة المنزل التي تهيمن علي كل صغيرة وكبيرة حتي حينما انتقلا فيما بعد إلي منزلهما الريفي في بوازغلوب. في الواقع كانت تجسد دور الزوجة الأكثر أناقة للرسام الأكثر شهرة في العالم، لذلك فقد رسم صورها في البداية. لقد حرص ريتشاردسون علي عدم الانتقاص من شخصيتها أو السخرية منها. كان بيكاسو "يحبها مثل أي زوج اسباني فخور بزوجته" ولم يكن يدخر وسعا لإرضائها أو يكتم رغبته ايضا ان يكون له وريث منها. هناك نزعة لم تزل متبقية لدي بيكاسو من مخلفات البرجوازية: ذلك الفنان والإنسان الذي كان يحيا حياة بوهيمية في إدمانه علي الكحول ومعاشرة بنات الليل اصبح يبحث أخيرا عن ملاذ يجد فيه الراحة والدفء. لكن ربما كانت أولغا، ذلك "الجمال الذي لا يبتسم" غير مستعدة أبدا لان تمنحه ما يريد. كان دياغيليف قد حذر بيكاسو منها منذ البداية، أما صديقه الطائش آرثر روبنشتاين فكان يسميها بـ "الروسية المعتوهة". لقد وصفتها أحدي فنانات الباليه البارزات وهي اليكساندرا دانيلوفا بانها "لطيفة لكن ليس لها أهمية تذكر." لكن في 1920 وبعد قضاء عطلة مبهجة في جوان لو بنس مع بيكاسو، التقي بها كلايف بيل في باريس فوجدها "تعاني من الوحدة والتعاسة والإهمال" حتي ان سارا مورفي قالت بشكل مختصر عنها "كانت أولغا ذات شخصية عادية مبتذلة". حينما كاد ينقضي عقد من الزمن علي زواجهما بدأت تعترض طريق حياتهما معا الكثير من الجراح والأمراض. ثمة مشاهد عائلية صاخبة مشحونة بالغضب يذكرها المؤلف تراكمت في تأثيراتها وظهرت ملامحها واضحة في لوحات بيكاسو التي رسمها لاولغا في فترة 1927ــ 1929.
كان لكل من دياغيليف و جان كوكتو تأثيرا جليا علي بيكاسو في توجيه مسارات اهتمامه خلال تلك الفترة التي اسماها جاكوب "عهد الدوقة". لقد تعاون بيكاسو مع ودياغيليف في انجاز ثلاث باليهات مهمة: باريد، تريكوم، بولسانيلا. علي الرغم من انها لاقت نجاحا متفاوتا ــ لم يعرض "باريد" الا مرتين في مرحلته الأولي ــ الا انها عززت شهرة بيكاسو عالميا في هذا المجال مثلما كان عليه فنه في تلك الفترة. كان كل من ديبوسي، بروست، ماتيس، شانيل ومجموعة متنوعة من كبار الفنانين والكتاب من ابولينير إلي أي كمنغز، من ميرو إلي ليبشتز، قد حضروا عرض أوبرا "باريد" الذي جري ظهيرة يوم 18 أيار 1917 بسبب التعتيم الذي فرضته ظروف الحرب. وحينما افتتحت أوبرا "تريكوم" في لندن بعد ذلك بسنة، كان ت. س. اليوت وجماعة بلومزبري ضمن الحاضرين في المقاعد الأمامية.

ثقافة برجوازية
كانت آراء بيكاسو متناقضة فيما يتعلق بدياغيليف. من ناحية معينة كان يطري بشكل عام علي الدعم الروسي لفناني الحداثة وموسيقاها.
ومن ناحية اخري، يتوجس من ان دياغيليف و "مذهبه عن الجديد ربما يكون وسيلة للتحايل يتبعها الفنان بدلا ان تكون مسألة اقتناع بالحداثة". خلال منتصف العشرينات كان الدادائيون والسرياليون يعتبرون دياغيليف وجماعته صورة مصغرة عن ثقافة البرجوازية. وقد رأوا ان هناك الكثير من العمل الاستعراضي الذي من شأنه ان يعطل توجه الأداء الفني، حتي ان ميرو وماكس ارنست كانا يحسان بالإحباط وتغيبا عن الحضور في الليلة الأولي التي عرضت فيها مسرحية (روميو وجوليت). كان جان كوكتو منذ وقت مبكر يغري نفسه للتقرب من حلقة بيكاسو التي تضم أصدقاء من الذكور، لكنه يضمر السخرية من الدادائية والسريالية. أما بالنسبة لاندريه بريتون فكان "نرجسيا شاذا أفسده الثراء". يشير ريتشاردسون إلي ان كوكتو كان "يتلذذ بتعذيب النفس" في الحب مثل بيكاسو "لكنه روحيا ليس له ميول مشابهة لبيكاسو ... هناك القليل من أوجه المقارنة العميقة فيما يتعلق بهذا المهرج".
وسط كل مظاهر الخداع والعلاقات السرية، كان بيكاسو ينتج كيانا هائلا من الأعمال الفنية المذهلة في العشرينات وبواكير الثلاثينات. تتسم أعماله في هذه الفترة بالتناقض الظاهري، كان يعمل في كل الاتجاهات من النحت إلي الرسم، يصدر طبعات من أعماله، يصمم ديكورات المسرح وغيرها. لم تمر سنة واحدة عليه دون ان يصدر مجموعة من التحف الفنية. في صيف 1921، عشية عيد ميلاده الأربعين، انتقل بيكاسو واولغا إلي منزل جديد في ضاحية فونتنبلو. وفي غضون ثلاثة أشهر رسم نسختين من لوحة ضخمة عنوانها "الموسيقيون الثلاثة" وصور شخصيات مقنعة لابولينير، جاكوب ولنفسه هو، وطبق أسلوبه الخاص في التكعيبية، ولوحة تذكارية هي "ثلاث نساء في الربيع" رسمها بأسلوب كلاسيكي عصري.
عن عمله ذاك يقول بيكاسو بشكل دراماتيكي "ان كل من التكعيبية والكلاسيكية هما وجهين للعملة ذاتها". توجد جميع هذه اللوحات في الوقت الحاضر في غرفة واحدة من معرض "موما"، وما زالت تثير إعجاب من يشاهدها. في المستويات المتباينة للوحة "الموسيقيون الثلاثة" التي أنجزت بطريقة، يدون بيكاسو اسمه علي انه عبقري من الحاضر، وفي تصويره للأحاسيس الخفية في لوحة "ثلاث نساء في الربيع" يكون المجسد لأفكار الماضي في شخوص نابضة بالحياة.
تعتبر لوحة "الرقصة" 1925 نقطة تحول مهمة في فن بيكاسو خلال العشرينات. يفترض ريتشاردسون بفطنة نادرة ان المرأة التي تبدو مسعورة علي الجهة اليسري من اللوحة ترقص رقصة شارلستون التي كانت شائعة في العشرينات وبذلك فهي تمنح التكعيبية المتأخرة ما يتلائم مع روح المعاصرة. كان في ذلك التحول وداع للاهتمام بالباليه، وسوف تأتي بعدها صور شخصية بحتة رسمت بأسلوب مميز، مثل الصورة الجانبية لرفيق بيكاسو من سنوات مبكرة، ريموند بيشوت. في السنة اللاحقة 1926، أعاد بيكاسو رسم لوحات سبق ان خططها مثل "غيتار الحبال"، "ورق الصحف"، "أظافر وأوتار" فرسمها علي القماش. هذه الصور كانت تبشر بحس سريالي وبالكاد تكون بمعزل عن الذوق البرجوازي.
لقد حافظ بيكاسو علي مسافة حذرة تفصله عن السرياليين، أما هم فكانوا يعتبرونه بطلهم وفنه رمزا لهم. ومع ذلك كان فنه ينأي أحيانا بصورة فطرية عن العالم الحقيقي للأشخاص والأشياء مقتربا علي وجل من الأحلام واللاوعي، لكن يبدو ان الوحش القديم كان لا بد له من الانطلاق عاجلا أم آجلا. كانت الصور التي يبدو أصحابها مصابين بالخدر ونسخ غامضة الملامح من أولغا تعود في موضوعاتها إلي المناخ الجديد للأشكال والمشاعر الذي خلقته السريالية، وتعبر علي نحو غير متعمد عن تحرره من قيود البرجوازية.

هاجس المرأة
في كانون الثاني 1927 التقي بيكاسو بملاك تحولاته المنتظرة: ماري تيريز ولتر، الفتاة التي كانت تبلغ سبعة عشر عاما من عمرها. كانت شقراء، فاتنة وسهلة الانقياد.
أصبحت هذه الفتاة بمثابة الهاجس الذي يقض مضجعه والمثير لإلهامه. لقد اقتحمت عليه حياته وفنه بصورة خفية في بداية الأمر، تماما مثلما كان يحرص علي إخفاءها عن أنظار الآخرين في حياته العامة. بشكل تدريجي تبلورت عاطفته إزاءها وما اكتشفته هي فيه وفي أعماله الفنية في اتجاه مختلف. كانت الفترة من 1927 ولغاية 1935، حينما هيمنت فيها تلك الفتاة علي حياة بيكاسو وفنه كما يقول ريتشاردسون بلا تردد "قد شهدت أروع ابتكاراته التي جاءت بعد التكعيبية". يصل كتاب (السنوات الظافرة) إلي الذروة مع سنة 1932 التي نري فيها ماري تيريز ولتر تهيمن علي مشهد الأحداث وعلي لوحات بيكاسو ؛ سواء كانت مستيقظة، نائمة، متأملة او تمارس اللعب، فهي تمثل العربة التي تنقل عواطف بيكاسو بمختلف الاتجاهات. لم يكن بوسعه ان يكتفي منها، أو ان يصوغ صورتها بشكلها النهائي وبالسرعة الكافية.
من المثير للاستغراب ان يركز الكتاب وهو يقترب من النهاية علي احد أقرباء بيكاسو وهو الجنرال جوان بيكاسو، كان هذا الرجل قد كتب تقريرا معروفا يدين فيه أداء الجيش الاسباني الذي قاد إلي كارثة في مراكش. لقد قوض ذلك التقرير النظام الملكي في اسبانيا وقاد إلي مولد الجمهورية الكسيحة في الثلاثينات وبداية الحرب الأهلية الاسبانية. كل هذا ينبغي ان يكرس له وقت ومكان في الجزء الرابع من الكتاب. وعلي القراء انتظار صدور ذلك الجزء من هذه السيرة العظيمة بنفاد صبر، ولهم كل الحق في ذلك فهي تحفة أدبية نادرة في وقتنا الراهن.

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

سعيد العلاوي
16-03-08, 07:15
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

سعيد العلاوي
16-03-08, 07:17
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]