مشاهدة النسخة كاملة : الاسرة
الأسرة هي اللبنة الأولى لتكوين المجتمع، وهي نقطة الانطلاق في انشاء وتنشئة العنصر الإنساني، ونقطة البدء المؤثرة في المجتمع ومراحل سيره الإيجابية والسلبية، ولهذا أبدى الإسلام عناية خاصة بالأسرة، فوضع لها آداباً وفقهاً متكاملاً شاملاً لجميع جوانبها النفسية والسلوكية. وآداب الأسرة، أو قل فقه الأسرة لم ينشأ من فراغ ولا يبحث في فراغ، وإنما هو فقه واقعي، يراعي الطبيعة البشرية بما فيها الفوارق الجسدية والنفسية بين الجنسين، ويراعي الحاجات الفطرية، فلا يبدلها ولا يعطلها ولا يحملها ما لا تطيق، وهذه الآداب مستمدة من النصوص القرآنية والحديث الشريف.
معنى الأسرة:الأسرة لغة: أهل بيت الإنسان و عشيرته، و أصل الأسرة الدرع الحصينة، و أطلقت على أهل بيت الرجل؛ لأنه يتقوى بهم.
الأسرة اصطلاحاً: هي رابطة الزواج التي يصحبها ذرية. وهي: رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة و أطفالهما، و تشمل الجدود و الأحفاد و بعض الأقارب على أن يكونوا في معيشة واحدة.
استحباب النكاح و أهميته:النكاح هي الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأسرة، و هو الارتباط المشروع الوحيد بين الرجل و المرأة، و هو طريق التناسل و الحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، و هو باب االتواصل و سبب الألفة و المحبة، و المعونة على لعفة و الفضيلة، فبه يتحصن الجنسان من جميع ألوان الاضراب النفسي، و الانحراف الجنسي، و من هنا كان استحبابه استحباباً مؤكداً، قال تعالى: ( و أنكحوا الأيامى منكم و الصالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و ال واسع عليم) . و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: " من أحب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج ".
و للزواج تأثيرات إيجابية على الرجل و المرأة و على المجتمع، فهو الوسيلة للانجاب و تكثير النسل، قال صلى الله عليه و آله و سلم: " ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً، لعل الله أن يرزقه نسسمة، تثقل الأرض بلا إله إلا الله ". و هو ضمان لاحراز نصف الدين، لأنه الحصن الواقي من جميع ألوان الانحراف و الاضراب العقلي و النفسي و العاطفي، فهو يقي الإنسان من الرذيلة و الخطيئة، و يخلق أجواء الاستقرار في العقل و القلب و الإرادة، لينطلق الإنسان متعالياً عن قيود الأهواء و الشهوات التي تكبله و تشغله عن أداء دوره في الحياة و في ارتقائه الروحي و اسهامه في تحقيق الهدف الذي خلق من أجله، و لذلك جعله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في المرتبة الثانية من مراتب الفوائد المعنوية، حيث قال: " ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسره إذا نظر إليها، و تطيعه إذا أمرها، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله ". وهو باب من أبواب الرزق بأسبابه الطبيعية المقرونة بالرعايةالإلهية، قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: " اتخذوا الأهل، فإنه أرزق ".
استحباب السعي في النكاح:حث الإسلام على السعي في النكاح، و المساهمة في الترويج له و إقراره في الواقع بالجمع بين رجل و امرأة لتكوين أسرة مسلمة، فمن يسعى فيه يعوضه الله تعالى عن سعيه في الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: " ... و من عمل في تزويج بين مؤمنين حتى يجمع بينهما زوجه الله عز و جل ألف امرأة من الحور العين..".
أولاً: حقوق الزوج:من أهم حقوق الزوج حق القيمومة، قال تعالى: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ). فالأسرة باعتبارها أصغر وحدة في البناء الاجتماعي بحاجة إلى قيم ومسؤول عن أفرادها له حق الاشراف والتوجيه ومتابعة الأعمال والممارسات، وقد أوكل الله تعالى هذا الحق إلى الزوج، فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحق المنسجم مع طبيعة الفوارق البدنية والعاطفية لكل من الزوجين، وأن تراعي هذه القيمومة في تعاملها مع الأطفال وتشعرهم بمقام والدهم. ومن الحقوق المترتبةعلى حق القيمومة حق الطاعة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تصدق من بيتها شيئاً إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها، وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه ... ". وحث صلى الله عليه وآله وسلم المرأة على اصلاح شؤون البيت واستقبال الزوج بأحسن استقبال فقال: " حق الرجل على المرأة إنارة السراج، واصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بيتها فترحب به، وأن تقدم إليه الطشت والمنديل...". ومن أجل التغلب على المشاكل المعكرة لصفو المودة والوئام، يستحب للزوجة أن تصبر على أذى الزوج، فلا تقابل الأذى بالأذى والإساءة بالإساءة؛ لأن ذلك من شأنه أن يغمر أجواء الأسرة بالتوترات الدائمة والمشاكل التي لا تنقضي، والصبر هو الأسلوب القادر على ايصال العلاقات إلى الإنسجام التام بعودة الزوج إلى سلوكه المنطقي الهادىء، فلا يبقى له مبرر للإصرار على سلوكه غير المقبول. ومن آثار مراعاة الزوجة لحقوق الزوج في الوسط الأسري أن تصبح له مكانة محترمة في نفوس أبنائه، فيحفظون له مقامه، ويؤدون له حق القيمومة فيطيعون أوامره، ويستجيبون لارشاداته ونصائحه، فتيسر العملية التربوية سيراً متكاملاً، ويعم الاستقرار والطمأنينة جو الأسرة بأكمله، وتنتهي جميع ألوان وأنواع المشاحنات والتوترات المحتملة.
ثانياً: حقوق الزوجة:وضع الإسلام حقوقاً للزوجة يجب على الزوج تنفيذها وأداءها، وهي ضرورية لاشاعة الاستقرار والاطمئنان في أجواء الأسرة، وإنهاء أسباب المنافرة والتدابر قبل وقوعها. ومن حقوق الزوجة على زوجها: حق النفقة، حيث جعله الله تعالى من الحقوق التي يتوقف عليها حق القيمومة للرجل، فيجب على الزوج الانفاق على زوجته، وشدد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الواجب حتى جعل المقصر في أدائه ملعوناً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ملعون ملعون من يضيع من يعول ". والنفقة الواجبة هي الاطعام والكسوة للشتاء والصيف وما تحتاج إليه من الزينة حسب يسار الزوج. والضابط في النفقة القيام بما تحتاج إليه المرأة من طعام وأداء وكسوة وفراش وغطاء واسكان واخدام وآلات تحتاج إليها لشربها وطبخها وتنظيفها، ويقدم الطعام والاكساء على غيره من أنواع النفقة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " حق المرأة على زوجها أن يسد جوعتها، وأن يستر عورتها، ولا يقبح لها وجهاً، فإذا فعل ذلك أدى والله حقها ".
والنفقة هي ملك شخصي للزوجة، ولو مضت أيام ولم ينفق الزوج عليها اشتغلت ذمته بنفقة تلك المدة سواء طالبته بها أو سكتت عنها. ولضرورة هذا الحق جعل الإسلام الحاكم الشرعي – وهو الفقيه العادل – صلاحية إجبار الزوج على النفقة، فإن امتنع كان له حق التفريق بينهما. ولا تسقط النفقة في حال الطلاق، فما دامت المطلقة في عدتها فعلى الزوج الانفاق عليها، وتسقط نفقتها في حال الطلاق الثالث. وفي حين تسقط النفقة في حال عدم التمكين للزوج، ولاتسقط إن كان عدم التمكين لعذر شرعي أو عقلي من حيض أو إحرام أو اعتكاف واجب أو مرض.
وتسقط إن خرجت بدون إذن زوجها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أيما امرأة خرجت من بيتها بغير إذنزوجها فلا نفقة لها حتى ترجع ". وحث الإسلام على اتخاذ التدابير الموضوعية للحيلولة دون وقوع التدابر والتقاطع، فدعا إلى توثيق روابط المودة والمحبة وأمر بالعشرة والمعروف، قال تعالى: ( ... وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ). ومن حقها أن يتعامل زوجها معها بحسن الخلق، وهو أحد العوامل التي تعمق المودة والرحمة والحب داخل الأسرة. ومن حقها الإكرام، والرفق بها، واحاطتها بالرحمة والمؤانسة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي ". ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن استخدام القسوة مع المرأة، وجعل من حق الزوجة عدم ضربها والصياح في وجهها، ففي جوابه على سؤال خولة بنت الأسود حول حق المرأة قال: " حقك عليه أن يطعمك مما يأكل، ويكسوك مما يلبس، ولا يلطم ولا يصيح في وجهك". ومن أجل تحجيم نطاق المشاكل والاضرابات الأسرية، يستحسن الصبر على إساءة الزوجة، لأن رد الإساءة بالإساءة أو بالعقوبة يوسع دائرة الخلافات والتشنجات ويزيد المشاكل تعقيداً، فيستحب الصبر على إساءة الزوجة قولاً كانت أم فعلاً. وإن كان للرجل زوجتان، فيجب عليه العدل بينهما. ووضع الإسلام حدوداً في العلاقات الزوجية، فلا يجوز للزوج أن يقذف زوجته، فلو قذفها جلد الحد.
المصدر:
كتاب آداب الأسرة في الإسلام
عسّـــافة الخيــــــــل
12-12-04, 11:11
الساري ؛؛
موضوع رائع بالفعل
تسلم يمينك
عسااااك على القوه
دمت للجوارس ودام لنا هذا العطاء
تحياتي :)
والآن نستعرض وإياكم نظريات الإسلام في بناء الاسرة الصالحة
نظرية الإسلام في بناء الاسرة الصالحة (1)
محاولة لابراز ملامح النظرية
د. عبدالكريم الزبيدي
***لمّا أراد الله تعالى أن يجعل في الارض خليفة (وإذ قال ربّك للملائكة انّي جاعل في الارض خليفة) فانه قد شاء أن يولد على الارض مجتمع انساني.
ومفهوم المجتمع الإنساني يستلزم وجود أفراد يتفاوتون في القدرات والقابليات والخبرات المكتسبة. وهذا التفاوت يؤدي إلى الاختلاف، والاختلاف يؤدي إلى الفساد، ومن أبرز صور الفساد في الارض الظلم والقهر والتسلط وسفك الدماء لذلك قالت الملائكة (أتجعل فيها من يُفسد فيها ويَسفكُ الدماء).
ولمّا أرادت مشيئة الله أن يولد على الارض مجتمع انساني فان مشيئته تعالى أرادت أن يكون هذا المجتمع قائما على نظام صادر من خالق الإنسان ينظم له حياته ليعصمه من الاختلاف الذي يؤدي إلى الفساد، من أجل أن يكون المجتمع الإنساني مجتمعا يحمل رسالة الله في الارض،
. ولمّا قالت الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فإن قولهم هذا صادر عن جهلهم بمشيئة الله في أن يكون المجتمع الإنساني مجتمعا قائما على نظام الهي يعصم المجتمع من الاختلاف الذي يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء، لذلك كان جواب الله لهم (إنّي أعلم ما لا تعلمون).
والمجتمع الإنساني مرّ في أطوار حياته بمراحل كثيرة كل مرحلة تعبر عن مستوى الفكر والحاجات والخبرات المكتسبة، فلابد من أن يأتي النظام من خالق الإنسان مناسباً لمستوى الفكر والحاجات والخبرات المكتسبة في كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع الإنساني....
ولمّا كان هذا النظام صادراً من خالق الإنسان وليس من الإنسان نفسه فلابد من وجود صلة بين الإنسان وبين الله تعالى. هذه الصلة هي التي تبلغ النظام عن الله تعالى، وتدعو المجتمع إلى تطبيقه، وتنذر الخارجين عن النظام بالعقاب الالهي، وتبشر المطبقين له بالسعادة في الدنيا والآخرة. هذه الصلة هي النبي الذي يختاره الله من بين أفراد المجتمع ليبلغ شريعة الله التي تهدف إلى بناء المجتمع الإنساني الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض. وكان جوهر كل شريعة في كل مرحلة هو عقيدة التوحيد.....
ولمّا كانت المراحل التي مرّ بها المجتمع الإنساني كثيرة، فان الانبياء الذين اختارهم الله ليبلغوا رسالته كثيرون.
وكان خاتمهم وأشرفهم رسول الله محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» الذي كان الصلة بين الله وبين الإنسان في كل مكان، ليبلغ رسالة الإسلام التي تنظم المجتمع وتعصمه من الاختلاف الذي يؤدي إلى الفساد.
انّ المجتمع الذي يكون مؤهلاً للقيام بوظيفة الاستخلاف في الأرض هو المجتمع المسلم الذي يؤمن برسالة الإسلام التي جاء بها رسول الله محمد «ص» من عند الله تعالى، ويعتمدها نظاماً لمجميع مجالات حياته، وهو المجتمع الذي أراده الله في الأرض حين شاء أن يخلق انسانا عليها (إنّي جاعل في الارض خليفة).
*****
انّ المجتمع المسلم هو الهدف الرباني من خلق الإنسان ذلك الهدف الذي جهلته الملائكة، فقال الله لهم (إنّي أعلم ما لا تعلمون). والمجتمع المسلم كأي مجتمع انساني يتألف من مجموعات كثيرة من الأسر.
والأسرة هي اللبنة التي تسهم مع غيرها في بناء الكيان الاجتماعي. وهذه اللبنة يتوقف على صلاحها صلاح البناء الاجتماعي لأن البناء الاجتماعي كالبناء المادي،
فكما أن البناء المادي يتألف من عدد كبير من الوحدات الأساسية التي هي الطابوق او البلوك او الحجارة او غير ذلك، كذلك البناء الاجتماعي يتألف من عدد كبير من الوحدات الاساسية التي هي الاسر. وكما أن الوحدات الاساسية في البناء المادي يجب ان تكون صالحة وتحمل مواصفات خاصة، لكي يكون البناء سليماً، كذلك الوحدات الاساسية في البناء الاجتماعي وهي الاسر يجب ان تكون صالحة وتحمل مواصفات خاصة.
ان الاسرة هي الوحدة الاساسية في المجتمع، وتتألف كل اسرة من الزوج والزوجة والأبناء. وقد منح الإسلام الاسرة رعاية وعناية كبيرتين في جميع مراحل تكوينها، لكي يضمن بناء أسرة صالحة تسهم في بناء المجتمع الصالح الذي يحمل رسالة الله في الارض، ويقوم بوظيفة الاستخلاف فيها.
*******
وقد حاول هذا البحث أن يعرض نظرية الإسلام في بناء الاسرة الصالحة في جميع مراحل تكوينها:
المرحلة الاولى: مرحلة ما قبل الاقتران:
في هذه المرحلة أكد الإسلام على مجموعة من المواصفات التي ينبغي توافرها في كل من الرجل والمرأة اللذين ينويان الاقتران ببعظهما عن طريق الزواج الشرعي، لتكوين اسرة. ولمّا كان تكوين الاسرة الصالحة هدفاً رئيساً في الإسلام فقد حث الإسلام على الزواج وجعله نصف الدين، وحث على أن يتوجه الرجل إلى الله تعالى بالنية الصادقة للزواج، وأن يبرهن على صدق نيته بصلاة ركعتين قربة إلى الله تعالى، ويدعو الله أن يوفقه إلى اختيار شريكة حياته الصالحة، التي تتحمل معه مسؤولية بناء أسرة صالحة.
عن الباقر عليه السلام قال: «اذا همّ أحدكم بالزواج فليصلّ ركعتين، وليحمد الله عزّ وجل، وليقل: اللهم انّي اُريد أن اتزوّج، اللهم فقدّر لي من النساء أحسنهنّ خُلقاً وخَلقاً وأعفّهنّ فرجاً، وأحفظهنّ لي في نفسها ومالي، وأوسعهن رزقاً، وأعظمهنّ بركة، واقض لي منها ولداً طيباً تجعله خلفاً صالحاً في حياتي وبعد موتي».
ومن المواصفات التي أكد الإسلام على توافرها في كل من الرجل والمرأة قبل الاقتران:
1ـ أن يكون كل من الرجل والمرأة سليمين من الناحية العقلية والجسدية، فقد حذر الإسلام أن يكون أحد الشريكين مصاباً بمرض عقلي أو بمرض ينتقل بالوراثة إلى الأبناء، كالحمق أو الجنون، أو أن يكون أحدهما معوقاً بنوع من انواع العوق الذي ينتقل بالوراثة إلى الابناء.
عن الصادق «عليه السلام»: «إيّاكم وتزويج الحمقاء، فان صحبتها بلاء وولدها ضياع». وقال النبي «ص»: «اختاروا لنطفكم فان العرق دسّاس».
وقال «ص» «من شرب الخمر بعدما حرّمها الله فليس بأهل أن يزوّج اذا خطب»، وقال الصادق «عليه السلام» «من زوّج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمه».
2ـ أن يكون كلّ من الرجل والمرأة على قدر طيب من التربية الحسنة والاخلاق الفاضلة وأن يكون كل منهما عضواً صالحاً في اسرة صالحة.
قال رسول الله «ص»: «اياكم وخضراء الدمن. قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء».
وكتب الحسين بن بشار إلى أبي الحسن «عليه السلام»: «أن لي قرابة قد خطب اليّ وفي خلقه سوء، قال: لا تزوجه ان كان سيء الخلق».
3ـ أن يكون كلّ من الرجل والمرأة ملتزماً بالإسلام ومطبقاً له في حياته.
عن أبي جعفر «عليه السلام»: «من خطب اليكم فرضيتم دينه وأمانته كائناً من كان فزوّجوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير»، وجاء رجل إلى الحسن «عليه السلام» يستشيره في تزويج ابنته،
فقال «عليه السلام»: «زوّجها من رجل تقي، فانّه ان أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها».
4ـ أن لا يكون أحدهما خارجاً عن الإسلام مجاهراً بالفسق،
قال الصادق «عليه السلام»: «لا تتزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوّجوا الرجل المستعلن بالزنا». وقال النبي «ص»: «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه».
****
إن الإسلام لم يجعل الجمال وكثرة المال والمظاهر الدنيوية من المواصفات الصالحة في الرجل والمرأة، اللذين ينويان الإقتران بالزواج الشرعي، انّما جعل الايمان والأخلاق الحسنة والسير على خط الإسلام مواصفات صالحة يجب التأكيد من وجودها في كلّ من الرجل والمرأة قبل الاقتران،
لأن الإسلام يهدف إلى تكوين اسرة صالحة تحمل رسالة الله في الارض، فاذا توافرت تلك المواصفات فيهما صارا مؤهّلين لتكوين أسرة تثقل الارض بلا إله إلاّ الله،
قال الله تعالى (ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم)
وقال تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم).
وقال الصادق «عليه السلام»: «اذا تزوج الرجل المرأة لمالها او لجمالها لم يرزق ذلك، فان تزوجها لدينها رزقه الله عزّ وجل مالها وجمالها».
وقال النبي «ص»: «ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً، لعلّ الله يزرقه نسمة تُثقل الارض بلا إله إلاّ الله».
********
المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد الاقتران:
أكد الإسلام في هذه المرحلة على مجموعة من الأمور المهمة وحث الرجل والمرأة اللذين اقترنا بالزواج على الالتزام بها، ومنها:
1ـ الإنسجام الروحي والنفسي بين الزوجين:
أكد الإسلام على الحب والموة د بين الزوجين في العلاقة الزوجية، وصور هذه العلاقة بينهما تصويراً جميلاً،
قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة)
إن عبارة (لتسكنوا اليها) تحمل أجمل معاني الراحة النفسية والاطمئنان النفسي، الرجل يجد الراحة النفسية والاطمئنان في كنف زوجته التي تفيض على حياته نسائم الانوثة الحانية، والمرأة تجد الراحة النفسية والاطمئنان في كنف زوجها الذي يفيض على حياتها دفء الرجولة التي تحميها وتصونها من آلام الحياة القاسية.
وإن عبارة (وجعل بينكم مودة ورحمة) تحمل أجمل معاني الحب والرحمة بين الزوجين، هذا الحب وهذه الرحمة يصنعان علاقة روحية بينهما تجعل كل واحد منهما مستعداً للبذل والعطاء والتضحية من أجل سعادة شريك حياته،
قال الامام علي «عليه السلام» عن فاطمة «عليها السلام»: فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر اليها فتنكشفُ عني الهموم والاحزان».
هكذا يصور الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة،
أما الفلسفة الغربية فانّها تصور العلاقة بينهما على أساس إشباع الغريزة وهو تصور حيواني لتلك العلاقة، ان الإسلام يهدف إلى تكوين اسرة صالحة تسهم في بناء المجتمع الصالح الذي يؤدي رسالة الله في الارض، أما الفلسفة الغربية فانها تهدف إلى بناء مجتمع حيواني تتفكّك فيه روابط الاسرة وهو المجتمع الذي يتحقق فيه الاختلاف الذي يؤدي إلى الفساد، الذي يكون من صورة الظلم والتسلط والفهر وسفك الدماء.
****
تحديد الوظائف والمسؤوليات لكل من الزوجين:
من أجل ضمان وحدة الأاسرة وعدم تفككها حدد الإسلام وظيفة كل من الزوجين في مجالات تكوين الأسرة على النحو التالي:
أـ في مجال تربية الابناء في جميع مراحل تكوين الاسرة:
تكون المسؤولية مشتركة بين الزوجين بنسب متفاوتة فقد تكون وظيفة الأم أكبر من وظيفة الأب في مرحلة معينة أو في ظروف خاصة وقد تكون وظيفة الأب أكبر من وظيفة الأم في مراحل معينة أو في ظروف خاصة، وقد يتسلم أحد الزوجين وظيفة التربية والرعاية والتوجيه كاملة في حالة موت شريك حياته.
والخلاصة
إن وظيفة تربية الأبناء مشتركة بين الزوجين،
قال الإمام العسكري «عليه السلام»: «انّ الله يجزي الوالدين ثوابا عظيما، فيقولان: يا ربّنا أنّى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا؟ فقال: هذه بتعليمكما ولدكما القرآن، وتبصيركما إيّاه دين الإسلام ..
وقال رسول الله «ص»: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانّه أو ينصّرانّه،
وقال «ص»: ويل لأولاد آخر الزمان من آبائهم فقيل: يا رسول الله من آبائهم المشركين؟ فقال: لا من آبائهم المؤمنين، لا يعلّمونهم شيئاً من الفرائض، واذا تعلّم أولادهم منعوهم، ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، وأنا منهم بريء وهم مني براء». وعن الرضا «عليه السلام»: «يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق».
نظرية الإسلام في بناء الاسرة الصالحة (2)
في مجال الكسب وتوفير مستلزمات المعيشة:
هذه الوظيفة تكون للزوج نظرا لعوامل عديدة منها طبيعية فسيولوجية ومنها عوامل تتعلق ببناء الاسرة الصالحة والحفاظ على المجتمع المسلم من التفكك، ومنها عوامل تتعلق بدوام الحب والانسجام الروحي بين الزوجين، ومنها عوامل تتعلق بأمراض أخلاقية تنتشر في المجتمع عن طريق الإختلاط بين الجنسين في العمل.
عن الباقر عليه السلام: «من كانت عنده امرأة فلم يَكْسِها ما يواري عورتها ويُطعمها ما يُقيم صُلبها حقاً على الامام أن يُفرّق بينهما».
وعن الصادق «عليه السلام»: «إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلاّ فُرّق بينهما».
وقال رسول الله «ص»: «ما من عبد يكسبُ ثم يُنفق على عياله إلاّ أعطاه الله بكلّ درهم يُنفقه على عياله سبعمائة ضعف».
ولا يعني هذا أن المرأة لا يحق لها العمل مطلقاً، ولكن الإسلام هنا وضع القاعدة العامة وجعل لها استثناء،
القاعدة العامة أن تكون وظيفة الكسب وتوفير مستلزمات المعيشة في الأسرة للرجل، والإستثناء أن تخرج المرأة للكسب وتوفير مستلزمات المعيشة في ظروف خاصة، أو إذا توقفت مصلحة المجتمع المسلم على أن تُشغل المرأة وظيفة لا يصلح لها الرجل.
في مجال تدبير شؤون المنزل:
هذه الوظيفة تكون بالدرجة الأولى للزوجة، إمّا ان تباشرها بنفسها، وهو الأحسن، تأسيا بالزهراء فاطمة «عليها السلام» التي كانت تباشر شؤون منزلها بنفسها مع إمكان الإستعانة بخادمة، وإمّا أن تقوم المرأة بتدبير شؤون منزلها بصورة غير مباشرة، فيجوز لها أن توكل تدبير شؤون منزلها كلها أو بعضها للخدم، وهذا حق من حقوقها إذا كان الزوج موسراً قادراً على نفقات الخدم.
ومن جهة أخرى حث الإسلام الزوج على مساعدة زوجته في هذه الوظيفة وجعل ذلك من المستحبات وقد جعل رسول الله محمد «ص» والامام علي «ع» من نفسيهما مثلاً أعلى يتأسى به الازواج في بيوتهم.
في مجال اتخاذ القرار في الأسرة:
هذه الوظيفة جعلها الإسلام في اختصاص الزوج لأن الأسرة مجتمع مصغر ولأجل الحفاظ على هذا المجتمع الصغير المكون من الزوج والزوجة والأبناء من التفكك والضياع فلابدّ من إعطاء وظيفة اتخاذ القرار لأحد عناصر الاسرة، وهو أمر يفرضه العقل والحس،
فالعقل يحكم بضرورة وجود رئيس أو قائد لأي مجموعة اجتماعية، صغيرة كانت أم كبيرة، وتكون وظيفة اتخاذ القرار بيده، حفاظاً على تلك المجموعة من الإختلاف والتفكك،
فإننا نشاهد أن جميع المجتمعات البشرية اتفقت على إعطاء وظيفة اتخاذ القرار لشخص من بينها وأيضاً فإننا نشاهد أن المجتمعات الحيوانية كالنمل والنحل والحيوانات الأخرى تكون فيها وظيفة القيادة واتخاذ القرار بيد واحد منهم.
إن وظيفة اتخاذ القرار في نطاق الاسرة إما أن تكون بيد الزوج أو بيد الزوجة أو بيد الأبناء أو تكون مشتركة بين الجميع.
فاذا كانت هذه الوظيفة بيد الأبناء كانت النتيجة اقحام الاسرة في المهالك بسبب قلة الخبرة والتجربة الإجتماعية وعدم النضج العقلي،فتتحطم بسبب ذلك الأسرة ويتضرر المجتمع بذلك..
وإذا كانت وظيفة اتخاذ القرار بيد الزوجة كانت النتيجة تحمّل الزوجة مسؤولية لا تقوى عليها، لأنّ الزوجة تعتريها في حياتها حالات خاصة تتعلق بتركيبها الفسيولوجي ووظائفها في الحياة باعتبارها أنثى فمثلا تتعرض الزوجة كل شهر إلى تغيرات نفسية وآلام جسدية بسبب الدورة الشهرية، هل يمكن الإطمئنان إلى قدرتها في مثل هذا الظرف على اتخاذ قرار مصيري يتعلق بمصير الأسرة؟
وإذا تعرضت الأسرة إلى أمر يحتاج إلى قرار مصيري وكانت الزوجة في هذا الوقت تتعرض إلى الطلق والولادة فهل تستطيع أن تتخذ ـ في هذه الحالة ـ قراراً مصيريا في حق أسرتها؟ وما يعقب الولادة ـ وهو حالة النفاس ـ تكون الزوجة فيها موزّعة بين وضعها كنفساء وبين وضع طفلها الوليد الذي لا تستطيع الإبتعاد عنه ساعة واحدة فهل تستطيع مثل هذه الزوجة أن تتخذ قراراً مصيرياً بحق اسرتها؟
إن طبيعة الأشياء تقضي أن تنأى الزوجة بنفسها عن هذه الوظيفة الصعبة رأفة بها وراحة لبالها وضماناً لعدم تعرضها إلى المسؤولية الشرعية والمسائلة الاسرية.
فمن ناحية المسؤولية الشرعية فانّ الله يحاسبها حساباً شديداً اذا فرّطت في مصير أسرتها المسلمة وأسهمت في تقويض بناء المجتمع المسلم.
ومن ناحية المسائلة الاسرية فان أسرتها لن تسامحها ولن تغفر لها خطأها الذي أدى إلى تحطم الأسرة وتبقى الأسرة تُذكّرها بخطئها فتعيش بقية حياتها نادمة.
وإذا كانت وظيفة اتخاذ القرار مشتركة بين الجميع كانت النتيجة الإختلاف بين أفراد الأسرة ثم تفككها وضياعها.
اذن الزوج هو المؤهل لهذه الوظيفة الصعبة وقد كلّف الله الزوج بها وألقى عليه مسؤوليتها الكبرى، ويجب على الزوج أن يتقبلها ولا يحق له الإعتذار عن عدم تحملها،
لأن هذه الوظيفة وهذه المسؤولية من باب القضاء والقدر فالله تعالى قضى وقدر أن تكون طبيعة الرجل الجسدية والفسيولوجية على نحو توجب عليه أن يقوم بهذه الوظيفة وهي مسؤولية كبيرة يتحملها الزوج ويتعرض بسببها للمحاسبة والمسائلة.
إن الله تعالى يحاسب الزوج حساباً شديداً اذا اتخذ قراراً في حق اسرته منطلقاً من أهوائه وشهواته،
قال رسول الله «ص»: «من سنّ سنّة سيّئة فعليها وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
إن وظيفة اتخاذ القرار وظيفة صعبة ومسؤولية كبرى تحملها الزوج وهو مسؤول عنها،
قال تعالى: (وقفوهم انّهم مسؤولون)، وأشفق الله تعالى على المرأة فأعفاها منها وأراح بالها، وهذا هو معنى قوامة الرجل الواردة في القرآن الكريم:
(الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله). والفضل هنا ليس معناه أن يكون الرجل أفضل من المرأة إنما الفضل هنا بمعنى الزيادة قالت العرب: فضل الشيء: زاد، واستفضل فلان الشيء: أخذه زائدا على حقه، والفاضل: الباقي زائداً على الحاجة، والفضل: الزيادة على الإقتصاد وما بقي من الشيء والفضلة الزيادة وما بقي من الشيء: فيقول الله تعالى (بما فضّل الله)، أي بما أراد الله في تركيب الرجل الجسدي والفسيولوجي من خصائص توجب عليه أن يقوم بمسؤولية اتخاذ القرار.
وإذا أعطى الإسلام وظيفة اتخاذ القرار للزوج فانه دعاه إلى تحري ما يحقق مصلحة الأسرة، وأن لا يستبد برأيه،
فمثلاً إذا أراد الزوج أن يتخذ قراراً يتعلق بالطفل الرضيع وهو فطامه قبل الحولين، فإن هذا القرار يجب أن يتخذه الزوج بالتشاور مع زوجته بما يحقق مصلحة الطفل، فإن تراضياً على فطامه قبل الحولين فهو القرار المناسب،
وإن تراضيا على الإستمرار بإرضاعه إلى تمام الحولين، فهو القرار المناسب أيضاً، وإن اختلفت وجهات النظر بينهما،
فحكم الإسلام هو إرضاعه إلى تمام الحولين فإن رضيت الزوجة بذلك قامت بإرضاعه ويجب على الزوج أن ينفق على الزوجة والطفل، ويوفر لهما الطعام واللباس، وإن رفضت الزوجة إرضاع الطفل اتخذ الزوج قراراً بطلب مرضعة للطفل ترضعه إلى تمام الحولين،
قال تعالى: (والوالداتُ يُرضعن أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد ان يتمّ الرضاعة وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف لا تُكَّلف نفس إلاّ وسعها لا تُضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن ارادا فصالاً عن تراض وتشاور فلا جُناح عليهما).
التعاون بين الزوجين على شؤون الحياة:
أكد الإسلام على روح التعاون بين الزوجين في جميع شؤون الحياة، من أجل بناء أسرة صالحة، وحرص الإسلام على أن يشعر كل من الزوجين أن شريك حياته لا يظلمه ولا يجور عليه ولا يتسلط عليه، لأن هذا الشعور له أهمية كبيرة في بناء الأسرة الصالحة.
أن أيّ أسرة يسود فيها هذا الشعور هي أسرة صالحة، وهي أسرة مستقرة، وهي أسرة تكون موضعاً لنزول البركة الالهية والرزق.
ومن أهم صور التعاون بين الزوجين هو الرضا بحياتهما، والصبر على قساوة الحياة، ومواجهة المحن بالتعاون وبروح مطمئنة،
فإذا رأت الزوجة جزع زوجها هوّنت عليه المحنة وأعانته، وإذا رأى الزوج جزع زوجته هوّن عليها وهدّأ روعها.
جاء رجل إلى رسول الله «ص» فقال: إنّ لي زوجة إذا دخلت تلقّتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمك؟ إن كنت تهتم لرزقك فقد تكفّل به غيرك، وإن كنت تهتم بأمر آخرتك فزادك الله همّا
ً. فقال رسول الله «ص»: «بَشّرها بالجنّة وقل لها: إنّك عاملة من عُمّال الله ولك في كل يوم أجر سبعين شهيداً».
ومن صور التعاون بينهما أن لا يتخلى أحدهما عن الآخر وقت الشدة لأن حياتهما شركة في السعادة والألم وفي الحلو والمر وفي الغنى والفقر.
ومن صور التعاون أن يساعد أحدهما الآخر في شؤون المنزل فكانت فاطمة «عليها السلام» تطحن الشعير وتدير الرحى بيدها وتصنع أقراص الخبز بنفسها، وكان علي «عليه السلام» يساعدها في ذلك إضافة إلى مسؤولياته في كسب الرزق والجهاد في سبيل الله،
فكان «عليه السلام» يعاونها على طحن الشعير وإعداد الطعام.
عن الامام الصادق «عليه السلام» أن رسول الله «ص» قسّم شؤون المنزل بين علي وفاطمة «عليها السلام» فقضى على فاطمة بالعمل في المنزل إلى ما دون الباب، وقضى على علي بالعمل بما خلف الباب، فقالت فاطمة «عليها السلام»: «فلا يعلم ما دخلني من السرور إلاّ الله بإكفائي رسول الله تحمّل ارقاب الرجال».
كان علي «عليه السلام» جندياً مجاهداً في سبيل الله، وكان عاملاً كادحاً يكسب قوت أسرته وكانت فاطمة «عليها السلام» تدبر شؤون المنزل وتعد الطعام برضا واخلاص.. فكانت تطحن بالرحى حتى مجلت يداها وتكنس البيت وتوقد النار حتى اغبرّت ودكنت ثيابها.
وكان الحسن والحسين «عليهما السلام» يشاهدان هذه الروح الطيبة في التعاون بين الزوجين فكانا على منوال أبويهما في تكوين الاسرة الصالحة. إنّها مدرسة الإسلام والمثل الأعلى في بناء الاسرة الصالحة.
تحمّل كل من الزوجين ما يصدر من شريك حياته:
أكد الإسلام على أن يكون كل من الزوجين مستعداً لتحمل ما يصدر من شريك حياته في ساعة انفعال، أو تصرف خاطىء يصدر في لحظة جهل، لأن الإسلام يريد أسرة مترابطة.
قال رسول الله «ص»: «من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه، ومن صبرت على سوء خُلُق زوجها أعطاها الله من مثل ثواب أسية بنت مزاحم».
وقال أبو جعفر «عليه السلام»: «من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة اعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنة»
وقال الصادق «عليه السلام»: خير نسائكم التي إن غضبت أو اغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى عني».
وقال «عليه السلام» في جوابه عن حق المرأة على زوجها: «وأن جهلت غفر لها».
كل ذلك من أجل ان تصفو الحياة بين الزوجين، ويكون عش الزوجية مهيئاً لاحتضان الابناء وتكوين أسرة صالحة.
نظرية الإسلام في بناء الاسرة الصالحة 3
المرحلة الثالثة: مرحلة تكوين الولد في رحم الأم:
شملت توجيهات الإسلام وأحكامه في بناء الأسرة الصالحة كافة جوانب هذه المرحلة، ومنها:
1ـ حرص الإسلام على أن يكون الولد المتكون في رحم الأم سليماً من العاهات الجسدية والعقلية، ومن أجل أن يتحقق ذلك دعا الأم والأب إلى الالتزام بالأمرين التاليين،
الأول: التوجه بالدعاء إلى الله تعالى أن يجعل الولد سليماً معافى من العاهات، وهذا الدعاء له آثار روحية كبيرة على الأم، وتنعكس هذه الآثار الروحية على الجنين بإذن الله تعالى، فيأتي صالحاً سليماً من كل عاهة.
والثاني: الابتعاد عن المؤثرات المادية التي تؤدي إلى احداث تشوهات جسدية وعقلية في الجنين، كشرب الخمر، أو تعاطي المرأة الحامل الدخان أو انواع المخدرات.
2ـ حرص الإسلام على الاستقرار النفسي للأم أثناء الحمل، ومن أجل أن يتحقق ذلك أكد على أن تكون الأم مؤمنة عفيفة تبتعد عن الآثام ولا تفعل أمرا يسخط الله، ولا ترتكب ذنباً ولو كان في السر. انّ الام العفيفة المؤمنة يكون رحمها بيئة طيبة لولدها، والأم البعيدة عن الإيمان، التي لا يضبط أفعالها دين ولا أخلاق يكون رحمها بيئة خبيثة لولدها فكل ذنب أو خيانة تمارسها الأم ينعكس تأثيرها على الجنين في رحمها «السعيد سعيد في بطن امّه، والشقي شقي في بطن اُمّه»، وقال الامام الصادق «عليه السلام» «طوبى لمن كانت اُمّه عفيفة»
وقال الله تعالى: (وتقلّبك في الساجدين) فعن أبي جعفر «عليه السلام» في معنى هذه الآية: أي تقلبك في أصلاب الموحّدين نبي بعد نبي، حتى أخرجه من صُلب أبيه من نكاح غير سفاح.
وقد أشار الطبيب النفسي توماس فري في كتابه «الحياة السرية للطفل قبل الميلاد» إلى أن الجنين يتلقى إشارات سرية من الأم يفهمها ويستوعبها سواء كانت إشارة خوف أم كراهية أم حب أم قلق، وذكر دليلاً على ذلك عدداً من الحوادث، لا مجال لذكرها في هذا البحث. وأكد في نهاية دراسته أن هناك قنوات إتصال سرية بين الأم وطفلها، وأن على الأم أن تكون شديدة الإنتباه لما ترسلها لطفلها الجنين.
3ـ حرص الإسلام على سلامة الغذاء الذي تتناوله الأم ويتغذى عليه الجنين، ومن أجل أن يتحقق ذلك أكد على أن تبتعد الأم عن الأطعمة والأشربة المحرمة كالميتة ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله والخمر وسائر أنواع المسكرات، وكذلك الأطعمة والأشربة التي تأتي من المكاسب المحرمة أو المتجارة بالمحرمات، إن نوع الطعام يؤثر على الإنسان نفسياً وجسدياً،
عن الصادق «عليه السلام»:« إن الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه من المنفعة والصلاح، ولم يُحرّم أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه من الضرر والفساد».
وعن النبي «ص»: «أطعموا المرأة في شهرها الذي تلد فيه التمر، فإن ولدها يكون حليماً تقيّاً».
المرحلة الرابعة: مرحلة مجيء الولد إلى أن يبلغ ثلاث سنوات من العمر:
تُعدّ هذه المرحلة من أهم مراحل بناء الأسرة الصالحة، وتأتي أهميتها من ناحيتين، الاولى: كونها بداية تكوين أسرة لأن وجود الاب والأم لا يُكوّنان أسرة كاملة إلاّ بمجيء الأبناء: والثانية: كون هذه المرحلة من عمر الأبناء من أخطر المراحل في حياتهم، وهي الاساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان في جميع مراحل حياته. وقد اهتم الإسلام بهذه المرحلة في حياة الأسرة، وقسم مسؤولياتها بين الأم والاب، وجعل أعظم المسؤوليات فيها على عاتق الأم،
فمن مسؤوليات الأم في هذه المرحلة:
1ـ حضانة الطفل وارضاعه:
قال الله تعالى: (والوالداتُ يُرضعن أولادهنّ حولين كاملين) قال المفسّرون: (يرضعن أولادهنّ) صيغته صيغة الخبر، والمراد به الأمر أي ليرضعن أولادهن، كقوله (يتربّصنّ بأنفسهنّ) وقيل هو خبر بمعنى الأمر، وتقديره: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عباده. فلولا أهمية الحضانة والرضاعة في حياة الطفل خلال هذين العامين لما جاء الأمر من الله تعالى للأم أن تؤدي هذه الوظيفة الخطيرة.
ولا يحقّ للام أن تعطل هذه الوظيفة بحجة الخروج إلى الكسب وتوفير مستلزمات المعيشة، لأن الإسلام أعفى الزوجة من هذه الوظيفة نظراً لأهمية وظيفتها في الحضانة والرضاعة.
واذا قلت: المرأة قد تضطر في هذه المرحلة إلى الخروج للكسب والعمل قلت: في المجتمع المسلم لا تضطر إلى ذلك، لأن أحكام الإسلام ألزمت الزوج بالانفاق عليها وعلى طفلها في حياته، وألزمت الوارث بالإنفاق عليها وعلى طفلها بعد وفاته وألزمت الدولة ـ إذا غاب الوارث ـ بالانفاق عليهما.
ولا يحقّ للأم أن تعطل هذه الوظيفة بحجة الخروج للتعلم والدراسة، لأن مرحلة التعلم والدراسة تكون سابقة على الأمومة، وما تتعلمه المرأة قبل أن تصبح اُمّا كاف في إعدادها لأن تكون اُمّا واعية. إن المرأة في المجتمع المسلم تتعلم لهدف أعظم وأهم من الكسب والعمل، انّها تتعلم للقيام بوظيفة الامومة، أي وظيفة التربية في الأسرة التي تسهم في بناء المجتمع الرسالي الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض.
ولا يعني هذا حرمان المرأة من التعلم والدراسة بعد الزواج، فلا مانع من مواصلة دراستها اذا اتفقت مع زوجها على تأجيل الانجاب حتى تنتهي من دراستها.
والخلاصة أن المرأة اذا اصبحت اُمّاً بالانجاب فلا يحق لها أن تعطل وظيفتها الرئيسة في الحضانة والارضاع.
ولا يحق للأم أن تعطل هذه الوظيفة بحجة الخروج للعمل السياسي، لأن وظيفة الأمومة في الحضانة والإرضاع وظيفة بناء أسرة صالحة، وبناء مجتمع صالح والعمل السياسي أو الإجتماعي وظيفة إصلاح،
والبناء أهم من الاصلاح.
إن الأم إذا عطّلت وظيفة الأمومة فهي أمام واحد من الخيارات التالية:
الاول: أن تترك الطفل بيد الخادمة أو المربية.
والثاني: أن تترك الطفل في الحضانة.
والثالث: أن تترك الطفل عند أحد أرحامها، كأمّها أو أختها أو خالتها مثلاً،
وفي جميع هذه الخيارات يكون الطفل محروماً من أمه، وهذا الامر ـ وهو حرمان الطفل من امه ـ له آثار سلبية في حياة الطفل،
وتكون الأم مسؤولة أمام الله وأمام المجتمع عن كل انحراف يظهر في حياة الطفل صبياً ويافعاً وشاباً ورجلاً،
قال الإمام الرضا «عليه السلام»: «يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق».
انّ الطفل لا يرضع لبن أمه فقط خلال العامين، بل يرضع الطفل من أمّه ـ إضافة إلى لبنها ـ حب الخير والشجاعة والخصال الحميدة، ويتعلم منها الكلمات الأولى التي يكون لها أثر كبير في حياته. إن الكلمات الاولى التي يتعلمها الطفل يمكن أن تكون كلمات في الخير والحب والشجاعة وحب العلم، يتعلمها من أمه، ويمكن أن تكون كلمات في الإنحراف والجريمة والشر والخوف يتعلمها من الخادمة أو المربية أو الحاضنة.
إنّ الطفل يرضع من وجود امّه معه خلال العامين ـ إضافة إلى لبناها ـ المعاني التي ترسم له خط الحياة في سنوات عمره المقبلة.
وقديماً قالت العرب ـ إذا أرادت أن تتعجب من شجاعة شخص أو من علمه أو غير ذلك من الصفات التي تثير الاعجاب ـ «لله درّه من شجاع» أو «لله درّه من عالم».. والدر هو لبن الام، فقولهم «لله دره من شجاع» معناه: أعجب من لبن أمه الذي جعل منه شجاعاً أو عالماً..
وقيل لوالدة الشيخ الأنصارى «قدس سره»: إنّ ابنك قد أصبح مرجعا للمسلمين، قالت: والله لو قلتم أن ولدك أصبح نبياً ما كنت لأتعجب، فسُئلت عن السبب فقالت: لأنّني كنت أتوضأ وأقرأ القرآن قبل أن أرضعه حتى فطمته.
إن الأم عندما تتفرغ لوظيفة الأمومة في الحضانة والإرضاع وتعطل كلّ وظيفة أخرى تحظى بمكانة ومنزلة كبيرة عند الله وفي المجتمع، إن منزلتها تكون بمنزلة الرجل المجاهد في سبيل الله العامل في سبيله العابد الصائم المنفق في سبيله،
قال رسول الله «ص» لامرأة سألته عن منزلة المرأة التي تقوم بوظيفة الأمومة: «أما ترضين إحداكنّ أنّها إذا حملت من زوجها وهو عنها راض كان لها أجر الصائم القائم في سبيل الله، فإذا أصابها الطلق لم يعلم أهل السماء والأرض ما أخفي لها من قرّة أعين، فإذا وضعت لم يجرع ولدها من لبنها جرعة، إلاّ كتب لها لذلك حسنة».
وقال «ص» في مناسبة أخرى: «يا أمّ سلمة انّ المرأة إذا حملت كان لها من الأجر كمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله عزّوجلّ، فإذا وضعت قيل لها: قد غفر لك ذنبك فاستأنفي العمل، فإذا رضعت فلها لكل رضعة تحرير رقبة من ولد اسماعيل»، فاذا علمنا هذا عرفنا معنى ما جاء في الأثر:
«الجنّة تحت أقدام الأمّهات».
2ـ تعليم الطفل اللغة:
الوظيفة الثانية للأم في هذه المرحلة أن تعلم طفلها الكلمات الأولى إلى أن يكون قادراً على تكوين جملة بسيطة. وقد أثبتت الدراسات أن الطفل من الشهر السادس إلى الثامن يحاول أن ينطق أولى الكلمات مثل: بابا، ماما... وفي الشهر العاشر يكون قادراً على نطق كلمة ذات معنى، ثمّ تزيد إلى ثلاث وأربع كلمات عند نهاية السنة الاولى. وفي الشهر الثامن عشر يكتسب الطفل حوالي عشر إلى عشرين كلمة ذات معنى، وحينما يصل الطفل إلى سنتين ونصف يكون قادراً على تكوين جملة بسيطة، وتستمر الام في ذلك إلى أن يبلغ الطفل ثلاث سنوات من عمره حيث يكون لديه حصيلة من الكلمات قدّرها الباحثون بـ 980 كلمة. والأم الواعية تختار الكلمات والجمل التي تعلمها لطفلها، والتي يكون لمعانيها آثار حسنة في حياته.
3ـ تعليم الطفل الخطأ والصواب:
الوظيفة الثالثة للأمّ في هذه المرحلة أن تعلم طفلها الخطأ والصواب في الممارسات والأفعال التي يقوم بها الطفل، مثل لمس النار أو الطعام الحار أو التقاط الأشياء من الأرض ووضعها في الفم أو ضرب إخوانّه أو أبناء الجيران أو العبث بممتلكات الآخرين عند زيارة الجيران أو الأصدقاء أو غير ذلك من الممارسات والأفعال.
أما مسؤوليات الاب في هذه المرحلة فهي قليلة وبسيطة ولا تساوي 10% من وظيفة الأم ومن مسؤولياته في هذه المرحلة:
1ـ في اليوم الاول من ولادة الطفل يؤذّن الأب في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى لتكون كلمة التوحيد أو كلمة يسمعها الطفل في حياته الجديدة، وقد جعل الله تعالى جهاز السمع عند الطفل قادراً على العمل من أول ساعة يخرج فيها الطفل من بطن أمه،
ولذلك قدم الله ذكر السمع على البصر في الآيات القرآنية التي تحدثت عن خلق الإنسان،
قال تعالى: (والله اخرجكم من بطون اُمّهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلّكم تشكرون)
وقال تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والافئدة)
وقال تعالى: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة).
2ـ أن يختار الأب للطفل اسماً جيداً ولا يعذر الأب اذا اختار للطفل اسماً يسبب له آثاراً نفسية في حياته ..
قال رسول الله «ص»: «من خلق الولد على والده ثلاثة: يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه اذا بلغ».
3ـ أن يعقّ عنه في اليوم السابع، ويطعم من عقيقته المحتاجين من المسلمين.
4ـ أن يحلق رأسه في اليوم السابع، ويتصدق بزنة شعره فضة أو ذهباً.
5ـ أن يختنه، وأفضل الأوقات اليوم السابع بعد الولادة.
6ـ أن ينفق على زوجته وطفله بما يكفيهم من المأكل والمشرب والملبس.
7ـ أن يشعر طفله بحنانه وحبه، قال رسول الله «ص»: «اذا نظر الوالد إلى ولده فسّره كان للوالد عتق نسمة، قيل: يا رسول الله وإذا نظر ثلاثمائة وستين نظرة، قال: الله اكبر»، وقال الامام الصادق «عليه السلام» «أكثروا من قبلة اولادكم فإنّ لكم بكل قبلة درجة في الجنّة»، وقال أيضاً: «ان الله عزّ وجل ليرحم الرجل لشدّة حبّه لولده».
8ـ أن يتعاون مع الام في تعليم الطفل اللغة.
المرحلة الخامسة: مرحلة تربية الولد من سن ثلاث إلى خمس سنوات:
إنّ الطفل في هذه المرحلة ما يزال بحاجة إلى أمّه، لأن هذه المرحلة تعدّ مكملة للمرحلة السابقة، إنّ وجود الأمّ إلى جانب طفلها في هذه المرحلة لا يقل أهمية عن وجودها معه في المرحلة السابقة، فالطفل في هذه المرحلة بحاجة إلى أن يشم ريح أمه ويحس بأنفاسها ويسمع دقات قلبها ويرى وجهها، وتنطبع على نفسه ابتسامتها وينام في حضنها كالعصور الآمن.
إن مسؤوليات الامّ نحو طفلها في هذه المرحلة كثيرة، وأهمها:
1ـ تعليم الطفل أصول الدين بشكل بسيط:
تعلم الأم طفلها ـ إذا بلغ ثلاث سنوات من العمر ـ جملة (لا إله إلاّ الله)، وتعدّ هذه الجملة أساس التوحيد، وتعلمه على مدى ثمانية أشهر تقريباً جملاً مرتبطة بالتوحيد، مثل: الله واحد، الله ربّنا، الله خالقنا، الله خالق الشمس، الله خالق النهار، الله خالق الليل، الله خالق السماء، الله خالق الشجر، الله خالق الماء... إلى آخر ذلك من الموجودات المحسوسة في محيط الطفل.ط
ويجب أن تكون الأم واعية ومستعدة للأجابة عن جميع أسئلة الطفل، ويمكن أن تعلمه التوحيد بشكل حسي، فمثلاً تعطيه مكعبات وتطلب منه أن يصنع منها شيئاً، وبعد ذلك تسأله: من صنع هذا؟ فيقول: أنا صنعته، فتفول: أنا وأنت صنعنا الله، أنا وأنت خلقنا الله، القطة خلقها الله، الشمس خلقها الله... الخ.
وتستمر الأم في تعليم الطفل أساسيات التوحيد حوالي ثمانية أشهر، كما جاء في الحديث المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله ـ عليهما السلام.
وتعلم الأم طفلها ـ إذا بلغ ثلاث سنوات وثمانية أشهر تقريباً ـ جملة (محمد رسول الله) وتعده هذه الجملة أساس النبوة. وتستمر الأم في تعليمه جملاً أخرى مرتبطة بهذه الجملة، مثل: محمد نبينا، ويرافق ذلك أن تحي الأم للطفل قصة حياة النبي محمد «ص» بشكل بسيط، ومثل جملة: الإسلام ديننا، القرآن كتابنا، المسلمون اخواننا، المسلمات اخواتنا...
وتستمر الأم على هذا حتى يبلغ الطفل الرابعة من عمره، فإذا بلغ الرابعة علّمته الأم جملة (اللهم صلّ على محمد وآل محمد) وتعد هذه الجملة أساس الإمامة، وتعلمه الأم جملا أخرى مرتبطة بهذه الجملة، مثل: نحن نحبّ آل محمد، أنا أحب آل محمد، بابا يحب آل محمد، آل محمد أئمتنا. ويرافق ذلك أن تعلمه الأم أسماء الائمة من آل محمد «ص»، وتحكي له شيئاً يسيراً من حياة كلّ منهم، وتحاول أن تجعل هؤلاء الائمة مثل الطفل الأعلى في الإيمان بالله، والشجاعة، والصدق والامانة، وبرّ الوالدين، وحبّ الناس والإحسان اليهم، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وتستمر الأم على هذا حتى يبلغ الطفل الخامسة من عمره.
2ـ تعليم الطفل اللغة:
تستمر مسؤولية الأم في تعليم طفلها اللغة في هذه المرحلة فتعلمه مزيدا من المفردات ومن الجمل البسيطة والمركبة وتتأكد مسؤوليتها إذا كانت الاسرة تعيش في بلاد الغرب.
ان الدراسات الحديثة أثبتت أن الطفل من ثلاث إلى خمس سنوات يكون قادرا على تعلم ألفين إلى ثلاثة آلاف كلمة ويكون قادراً على استعمالها في جمل بسيطة ومركبة.
إنّ الطفل إذا تعلم اللغة بطريقة صحيحة ينشأ نشأة سوية، يتمتع بشخصية قوية، وبثقة عالية بالنفس.
3ـ تعليم الطفل التصرفات الإجتماعية والعادات الصحية السليمة:
تعلم الأم في هذه المرحلة طفلها بعض التصرفات الإجتماعية الصحيحة، مثل: السلام على الناس، ورد السلام عليهم، وقول (الحمد الله) لمن يقول له: كيف حالك؟ واحترام الكبير. وغير ذلك من التصرفات الإجتماعية السليمة، وتعلمه بعض العادات الصحيحة السليمة مثل: غسل اليدين قبل الأكل وبعده وعدم رمي الاوساخ في البيت أو الشارع، وتنظيف الأسنان بعد الأكل وقبل النوم وغير ذلك من العادات الصحية السليمة،
إن هذه المرحلة تعدّ مكملة للمرحلة التي قبلها والأم التي تُقصّر في حقّ طفلها في هاتين المرحلتين لا تعجب إذا صار طفلها فيما بعد فاسداً أو منحرفاً أو عاقاً.
قيل: إن امرأة سألت مربياً مشهوراً: ما هو الوقت المبكر الذي أستطيع أن أبد فيه بتعليم طفلي؟ فسألها المربي: متى سيولد الطفل؟ فأجابت: إنّه الآن في الخامسة من عمره، فصاح المربي: ما تقولين أيتها السيدة؟ لا تقفي هنا وتتحدثي، أسرعي إلى البيت، لقد ضاعت منك أحسن سنواته الخمس.
وعلى الأب أن يساعد الأم في تعليم الطفل أصول الدين واللغة، وأن يشعر الطفل بوجوده معه، وبحبه له، إضافة إلى مسؤولياته في توفير مستلزمات المعيشة للأم والطفل
نظرية الإسلام في بناء الاسرة الصالحة (4)
المرحلة السادسة: مرحلة تربية الولد من سن خمس إلى سبع سنوات:
يطرأ في هذه المرحلة شيء من التغيير على وظيفة الأم والأب، نظراً إلى ما يتميز به الطفل من أمور ففي هذه المرحلة تزيد مسؤولية الأب إذا كان الطفل ذكراً، وتزيد مسؤولية الأم إذا كان الطفل أنثى، لأن الطفل في هذه المرحلة يميل إلى تقليد الأبوين،
البنت تميل إلى تقليد أمها، والولد يميل إلى تقليد أبيه وأهم مسؤوليات الأب والأم في هذه المرحلة:
1ـ إذا بلغ الطفل الخامسة فإنه يكون قادرا على الفهم والتمييز، ويشير إلى ذلك الحديث المروي
عن أبي جعفر وأبي عبدالله ـ عليهما السلام ـ بأن الطفل يكون قادرا على تمييز يمينه من شماله. فإن كان الطفل ذكرا اختصّ به أبوه، فيُعلّمه كيف يتوجه إلى القبلة، ويعمله جملة (الكعبة قبلتنا)، ويشرح له معنى القبلة.. وبعد مدة يطلب الاب من الطفل أن يسجد ويعلمه السجود... وبعد مدة يطلب منه أن يركع، ويعلمه الركوع.. وبعد مدة يطلب منه أن يركع ويسجد. ويستحسن أن يقف الطفل إلى جانب أبيه في الصلاة ولو يؤدي الركوع والسجود فقط. وتفعل الأم ـ إذا كان الطفل اأنثى ـ كما فعل الاب.
2ـ أذا أنهى الطفل الخامسة ودخل في السادسة يعلمه الأب والأم الإعتقاد بيوم القيامة ويعيدان عليه أصول الدين مع توضيح يناسب مستوى الطفل لكل اصل. إن على الأب والأم أن يهتما غاية الإهتمام بتعليم طفلهما أصول الدين، وأن يوجهاه إلى الاعتقاد بها دون تقليد. وأن يبذلا قصارى جهدهما في تحقيق ذلك.
إن اصول الدين هي الاساس الذي تُبنى عليه عقيدة المسلم، وعقيدة الإنسان هي المسؤولة عن توجيه تصرفاته وسلوكه وأفعاله جميعا.
ويمكن أن يقال: إن المجتمع يقاس صلاحه وفساده بمقدار استيعاب أفراده أصول الدين واعتقادهم بها، وان المأساة التي تعيش فيها المسلمون هذا الوقت سببها تهاون الأسرة في تعليم أبنائها أصول الدين، وتغذيتهم بها، حتى تشربها نفوسهم وتتغذى بها أرواحهم، وتنمو عليها أجسادهم.
ويستحسن أن يقوم الأب بهذه الوظيفة سواء كان الطفل ذكر أم أنثى، لأن الطفل في هذه السن قادر على الفهم والتمييز، فيفهم أن الأب هو ربّ الأسرة، وهو صاحب القرار فيها. وإذا قصّر الأب في هذه الوظيفة قامت بها الأم
***من الخامسة إلى السادسة من عمر الطفل يقوم الاب والام متعاونين بتحفيظه بعض السور القصار من القرآن الكريم.
***من الخامسة إلى السادسة من عمر الطفل تقوم الأم بتعليمه الحروف العربية قراءة وكتابة، وتتأكد هذه الوظيفة اذا كانت الاسرة تعيش في بلاد الغرب. واذا قصرت الام فيها قام الاب بها.
***إذا انهى الطفل السادسة من العمر فإن كان ذكرا تولاه أبوه بتعليمه أجزاء الصلاة: تكبيرة الاحرام، الركوع، السجود، القراءة، القيام، التشهد، والتسليم. ويدعو الأب ابنه إلى الوقوف معه في الصلاة. ومتابعته في أفعالها ولا يؤمر بالوضوء وتفعل الأم ـ إذا كان الطفل أنثى ـ كما فعل الاب.
*** من السادسة إلى السابعة من عمر الطفل يعلمه الأب والأم بالتعاون السيرة النبوية وشيئاً من سيرة الائمة «عليهم السلام» بما يناسب مستواه ويحفظانه بعض السور القصار من القرآن الكريم.
*** من السادسة إلى السابعة من عمر الطفل يقوم الأبوان بإرساله إلى المدرسة، وتكوين مسؤوليتهما متابعته بعد المدرسة وتصحيح السلوكيات الخاطئة التي يكتسبها من محيط المدرسة.
*** واذا كانت الاسرة تعيش في بلاد الغرب فإن الأب والأم مسؤولان عن عن تعليم طفلهما اللغة العربية بالتعاون.
*** إذا أكمل الطفل سبع سنوات من العمر، فإن كان الطفل ذكرا علّمه أبوه الوضوء، ولا يحاسبه عليه، ويكفي أن يغسل الطفل وجهه ويديه، وفي هذه السن يؤمر بالصلاة، ويُعلّم عدد الصوات وأوقاتها وعدد ركعات كل صلاة. وتفعل الام ـ اذا كان الطفل انثى ـ كما فعل الاب.
*** في هذه المرحلة يكون الأب والأم مستعدين للإجابة عن جميع أسئلة الطفل المعقولة وغير المعقولة بصبر وأناة، وبإسلوب بسيط، لأن الطفل في هذه المرحلة تكون عنده الرغبة العارمة في معرفة ما يرى وما يسمع، فينتج عن ذلك رغبة شديدة في الإكثار من الأسئلة عن كل ما يراه ويسمعه.
وينبغي التنبيه إلى أن هناك أموراً مهمة يجب ان يراعيها الأب والام في هذه المرحلة، وهي:
1ـ عدم التشاجر والإختلاف أمام الطفل.
2ـ الصبر على أسئلة الطفل وتصرفاته.
3ـ أن لا يباشر الأب والأم المقاربة الجنسية أمام الطفل.
قال رسول الله «ص»: «والذي نفسي بيده لو أن رجلا غشى امرأته وفي البيت صبيّ مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونفسهما ما أفلح أبداً، إن كان غلاماً كان زانياً أو جارية كانت زانية».
4ـ أن يكونا صادقين في وعودهما للطفل.
روي عن عبدالله بن عامر أنه قال: جاء رسول الله «ص» إلى بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت لألعب، فقالت أمي: يا عبدالله تعال حتى أعطيك، فقال النبي «ص»: ما أردت أن تُعطيه؟ فقالت: تمراً. قال رسول الله: أما انّك لو لم تفعلي ذلك لكتبت عليك كذبة.
وقال «ص»: «أحبّوا الصبيان وارحموهم واذا وعدتمومهم ففوا لهم».
5ـ أن لا يظهرا أمامه خلاف ما يأمرانه به، فإذا قالا له مثلاً: لا تكذب، فيجب أن لا يكذب أحدهما أمامه، وإذا قالا له: لا تسمع الغناء، فيجب أن لا يراهما يسمعان غناء.
المرحلة السابعة: مرحلة تربية الطفل من سن سبع إلى تسع سنوات:
إن هذه المرحلة تعدّ مكملة للمرحلة السابقة، لذلك فإن مسؤوليات الأب والأم في المرحلة السابقة تستمر في هذه المرحلة مع التأكيد على ما يلي:
1ـ اذا بلغ الطفل تسع سنين يُعلّم الوضوء كاملاً ويحاسب عليه ويؤمر بالصلاة ويُحاسب عليها، ويجوز تأديبه بالضرب اذا قصّر في ذلك، كما ورد في الحديث المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله ـ عليهما السلام: «ثم يُترك حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له عُلّم الوضوء وضرب عليه، واُمر بالصلاة وضُرب عليها».
2ـ إذا أتمّت البنت تسع سنين أخبرتها أمّها أنّها أصبحت مكلفة، ويجب عليها ما يجب على النساء من الحجاب وعدم مخالطة الرجال، وعلمتها الوضوء، وأمرتها به، وأمرتها بالصلاة وحاسبتها عليها.
المرحلة الثامنة: مرحلة التأديب من سن تسع إلى خمس عشرة:
تسمى هذه المرحلة بمرحلة التأديب كما ورد في الحديث عن الصادق «عليه السلام»: «ويؤدّب سبعاً»، وقال «عليه السلام»: «ثمّ ضمّه اليك سبع سنين فأدّبه بأدبك».
والأدب هو الترويض والتذليل، قالت العرب: أدب الأب ابنه: راضه على محاسن الأخلاق والعادات، ودعاه إلى المحامد. وأدب فلان، يأدب أدباً: راض نفسه على المحاسن. وأدّب الدابة: روّضها وذلّلها. وتأدب بأدب القرآن، أو أدب الرسول: احتذاه، والأدب: رياضة النفس بالتعليم والتهذيب على ما ينبغي.
إن مسؤوليات الأب والأم في هذه المرحلة لا تخرج عن معاني التأديب التي مر ذكرها، وأهمها:
1ـ تعليم الولد أو البنت الأخلاق الحسنة بالتدريس والترويض والممارسة، والأفضل أن يرجع الأب والأم إلى كتب الاخلاق.
2ـ تبصير الولد أو البنت بأن الله تعالى أكرمه بالإسلام، وبأنه على الصراط المستقيم، وأن الممارسات السلوكية الخاطئة التي يراها من غير المسلمين في دول الغرب والشرق، هي ممارسات لا يقبلها الإسلام، وأنّها ناتجة عن الضياع والضلال الذي يعيش فيه هؤلاء في الغرب والشرق.
3ـ تعليم الولد أو البنت القرآن الكريم قراءة وتجويداً وحفظاً.
4ـ تعليم الولد أو البنت الأحكام الفقهية التي يحتاج إليها في حياته.
5ـ تدريس الولد أو البنت العقائد، والأفضل أن يعتمد الأب والأم كتاباً في العقائد مثل كتاب (عقائد الامامية للشيخ المظفر).
6ـ تدريس الولد أو البنت سيرة الرسول محمد «ص»، وسيرة الائمة الاثنى عشر «عليه السلام» والأفضل أن يعتمد الأب والأم كتاباً في السيرة النبوية، وكتاباً في سيرة الأئمة الأثنى عشر.
7ـ إذا أكمل الولد أو البنت الثانية عشرة من العمر زادت عناية الأب والأم بهما، وأفضل ما يقوم به الأب والأم في هذه السن:
أ ـ إحاطة الولد أو البنت بجو روحي صادق، فيرغّبانهما في الصلوات المستحبة، كصلاة الليل والنوافل، ويوقظانهما لصلاة الفجر، ويرغبانهما في بعض العبادات المستحبة كقراءة القرآن وصيام الإثنين والخميس.
ب ـ غرس الخوف من الله والخشية منه في نفس الولد أو البنت وتحذيره من سوء الحساب يوم القيادمة.
ج ـ غرس حب الله وحب النبي وحب أهل بيته الأطهار في نفس الولد أو البنت.
د ـ توجيه الولد أو البنت إلى اتخاذ مثل أعلى له في حياته، كالرسول «ص» أو الائمة الأطهار «عليهم السلام» أو فاطمة الزهراء «عليها السلام» أو زينب «عليها السلام».
هـ ـ توجيه الولد إلى أن يشغل أوقات فراغه بالألعاب المباحة، كأنواع الرياضة والسباحة مع الحرص على اختيار الصديق الصالح، وتوجيه البنت إلى أن تشغل أوقات فراغها ببعض ا لأعمال المناسبة لجنسها، كالتطريز والخياطة والحياكة، وعمل بعض الأكلات بالإعتماد على كتاب الطبع مثلاً.
8ـ محاسبة الولد أو البنت محاسبة مستمرة على دراستهما وعلى وقتهما وعلى أصدقائهما وعلى عبادتهما وعلى سلوكياتهما وتعاملهما مع الآخرين.
ويجب أن لا يتردد الأب أو الأم في المحاسبة بحجة مراعاة شعور الولد أو البنت، لأن هذه المرحلة هي مرحلة الترويض والتذليل والتهذيب، وقد وصف النبي «ص» حياة الولد أو البنت في هذه المرحلة بصفة العبودية، قال «صلى الله عليه وسلم»: «الولد سيّد سبع وعبد سبع»، ويعني أن يحاسب الوالدان ابنهما أو بنتهما في هذه المرحلة كما يحاسب السيّد عبده على كل عمل خاطىء يقوم به ويجب أن لا يؤجل الأبوان المحاسبة عن وقتها الضروري.
9ـ إذا بلغ الولد أو البنت الرابعة عشرة من العمر اختص الاب بالولد، واختصت الأم بالبنت، لأن هذه السن هي بداية مرحلة الاختصاص.
المرحلة التاسعة: مرحلة الاختصاص من سن 15 إلى 21:
تسمّى هذه المرحلة بمرحلة الاختصاص، كما ورد في الحديث عن الصادق «عليه السلام»: «ويؤدّب سبعاً، وألزمه نفسك سبع سنين»،
وكما ورد عن رسول الله «ص»: «الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين».
ومعنى الإختصاص أن يختص الأب بالولد وأن تختص الأم بالبنت.
ولا يعني الاختصاص أن تكون هناك حدود لاختصاص الأب لا يجوز تجاوزها إلى اختصاص الأم أو بالعكس بالنسبة إلى الأم،
ان معنى الاختصاص في هذه المرحلة أن يختص الأب بالولد ليعدّه إلى دور الرجال، بما تعني كلمة (الرجولة) من معان ويكون للأم دور في رعاية الولد وتوجيهه، وأن تختص الأم بالبنت لتعدّها إلى دور النساء بما تعني كلمة (الانوثة) من أبعاد ويكون للأب دور في رعاية البنت وتوجيهها.
وفي هذه المرحلة أمور يجب أن ينتبه إليها كل من الأب والأم ويأخذوا بها، وأهمها:
1ـ تعد الأم ابنتها إلى أن تكون زوجة صالحة، وأماً واعية، لتأخذ وظيفتها في بناء الأسرة المسلمة الصالحة. ويعدّ الأب ابنه إلى أن يكون زوجاً صالحا وربّ أسرة مسؤولاً، ليأخذ دوره في بناء الأسرة المسلمة الصالحة.
2ـ يجعل الأب من نفسه صديقاً لابنه، وتجعل الأم من نفسها صديقة لابنتها، حتى يطمئن الولد إلى أبيه ويثق به وتطمئن البنت إلى أمها وتثق بها فيكشف الولد إلى أبيه والبنت إلى أمها عما يجول في نفسيهما من خواطر وأفكار، وعما يتعرضان له من مشكلات ويصارحانهما برغباتهما وأمنياتهما، وينبغي أن يصغي الأب والأم إليهما ويقدّران كلّ كلام يصدر منهما.
3ـ يصحب الأب ابنه إلى المناسبات العامة، والاحتفالات الدينية، ومجالس القرآن والذكر، مع توفر القناعة لدى الولد بحضور مثل تلك المناسبات والاحتفالات والمجالس.
وتصحب الام ابنتها إلى مجالس النساء في الاحتفالات الدينية والمناسبات العامة، والمحاضرات والندوات الخاصة بالنساء، مع توفر القناعة لدى البنت في حضور تلك الاحتفالات والمناسبات والمحاضرات والندوات.
4ـ يحاول الأب ان يجعل ابنه يشعر بأنه قادر على المشاركة في ابداء الرأي، وفي المناقشات الفكرية ويتم ذلك عن طريق طرح موضوع فكري أو اجتماعي للمناقشة، واشراك الولد في النقاش وعن طريق أخذ رأي الولد في أغلب الأمور التي تهم الأسرة، وان كان القرار النهائي بيد الأب.
وتحاول الأمّ أن تفعل مع ابنتها كما فعل ا لأب، مع مراعاة دور البنت في أن تصبح شريكة زوجها في بناء الأسرة المسلمة الصالحة.
5ـ تعدّ هذه المرحلة مناسبة لزواج البنت والولد فالبنت تكون صالحة للزواج ابتداء من اكمالها الرابعة عشرة من عمرها، فاذا تهيأت لها فرصة الزواج من كُفء ممن يرتضى خلقه ودينه فلا يتردد الأب والأم في تزويج البنت، بعد أن تتوفر لدى البنت القناعة بالزواج المبكر.
قال رسول الله «ص»: «من سعادة الرجل أن لا تحيض ابنته في بيته»،
وقال الامام أبو جعفر «عليه السلام»: «من خطب اليكم فرضيتم دينه وأمانته كائنا من كان فزوجوه إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
ولا يقول الأم أو الأم: إن البنت مازالت في مرحلة الدراسة ولا تصلح الآن للزواج، إن من يقول هذا القول لابد من أن تتعرض ابنته إلى واحد من الامور التالى:
الأمر الأول: أن تبقى البنت حتى تكمل دراستها ثم تتزوج، وفي هذا الأمر جملة من المساوىء، منها: ضياع فرصة الزواج من كفء صاحب دين وخلق،
قال الباقر عليه السلام: «إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»،
ومنها: أن تكتسب البنت من محيط المدرسة والجامعة أموراً تجعل منها امرأة صعبة الانقياد والطاعة لزوجها، كثيرة النقاش والخلاف معه مما يؤدي إلى بناء أسرة مفككة غير صالحة. إن البنت التي تتفتح انوثتها مع زوج تكبر معه، وتكبر مشاعرها في رعايته، ويكون لها بمنزلة الأم والأب، إن هذه البنت الزوجة تكون مؤهلة إلى بناء أسرة صالحة.
الامر الثاني: أن تبقى البنت حتى تكمل دراستها، ثم تعمل موظفة، ثم تتزوج. وفي هذا الأمر جملة من المساوىء،
منها: أن هذه الموظفة إما أن تُنجب أولاداً أو لا، فان انجبت، فأمامها خياران،
الأول: أن تترك الوظيفة والعمل، لتتفرغ إلى وظيفتها الأساس، وهي حضانة الطفل وإرضاعه، فتكون النتيجة فقدان الوظيفة، وضياع أجمل سنوات عمرها دون زواج.
والخيار الثاني: أن تبقى في وظيفتها وترسل طفلها إلى الحضانة أو تتركه بيد الخادمة أو المربية، فتكون النتيجة بناء أسرة غير صالحة، وتكون الأم الموظفة مسؤولة أمام الله، وأمام أسرتها، وأمام المجتمع عن كل انحراف في حياة الطفل صغيرا وكبيرا، قال الإمام الرضا «عليه السلام»: «يلزم الوالدين من عقوق الولد ما يلزم الولد لهما من العقوق».
أما اذا قررت الزوجة الموظفة عدم الانجاب، فان عدم الانجاب أما ان يكون مؤقتاً أو دائمياً فان كان قرارها في عدم الانجاب مؤقتاً، فهذا يعني أن الانجاب سيحصل بعد مدة من الزمن، فاذا انجبت بعد مدة من الزمن صار حالها كحال الموظفة التي أنجبت طفلاً، إما ان تترك الوظيفة للتفرغ إلى حضانة طفلها وارضاعه، وإما أن تترك طفلها بيد الخادمة أو المربية، أو ترسله إلى الحضانة، فان اختارت الاول كانت النتيجة فقدان الوظيفة، وضياع أجمل سنوات عمرها دون أطفال، واحساساً بالندم، ولسان حالها يقول: ماذا نفعتني الشهادة وأنا جالسة في البيت لتربية الطفل وإرضاعه؟ وان اختارت الثاني كانت النتيجة ضياع الطفل، وبناء اسرة غير صالحة، وتحملها مسؤولية ذلك أمام الله تعالى، وان كان قرارها في عدم الانجاب دائمياً فهذا يعني أنّها قررت أن تقف ضدّ نواميس الطبيعة، وعليها ان تتحمل مسؤولية الوقوف ضد نواميس الطبيعة.
والامر الثالث: أن تبقى البنت حتى تكمل دراستها في محيط تكثر فيه عوامل الإنحراف والسقوط وخاصة إذا كانت الأسرة تعيش في بلاد الغرب، فتكون النتيجة ضياع البنت، أو تمردها على أهلها، ويبقى الأب والأم عاجزين يضربان كفاً بكف من الندم، ويكونان مسؤولين أمام الله تعالى فيما حصل لابنتهما،
أما البنت فقد مشت في طريق يستحيل عليها فيه أن تجد الحياة الزوجية السعيدة التي تجد فيها المودة والرحمة والوفاء والتضحية والإيثار والأمومة الحانية الدافئة، اضافة إلى مقت الله لها والمجتمع، لخروجها عن طاعة ابويها.
ان البنت تتعلم وتدرس من أجل أن تستطيع القيام بوظيفتها الأساسية، وهي التربية وبناء أسرة صالحة، وهي وظيفة سامية مقدسة في الإسلام تفوق وظيفة الرجل العامل، والمجاهد في سبيل الله، والمنفق بماله ونفسه في سبيل الله، ولا تتعلم البنت من أجل الحصول على الشهادة ثم الوظيفة، فاذا تهيأت لها فرصة الزواج المبكر من كفء لها ممن يرتضى دينه وخلقه، قبل إكمال الدراسة، والحصول على الشهادة فلا تتردد البنت ولا يتردد أبوها وأمها في الموافقة على زواجها، لأن المقدار الذي حصلت عليه من التعليم يؤهلها للقيام بوظيفتها الأساسية. ولا يمنع من اكمال دراستها بعد الزواج إذا اتفقت مع زوجها،
وقررا تأجيل انجاب الاولاد حتى تكمل دراستها.
أما البنت التي لم تتهيأ لها فرصة الزواج المبكر من كفء لها ممن يرتضى دينه وخلقه، فلا شيء يمنع من أن تواصل إكمال دراستها حتى تتهيأ لها هذه الفرصة.
أمّا الولد فأنه لما كانت وظيفته الأساسية في الأسرة هي الكسب وتوفير مستلزمات المعيشة، فإن زواجه المبكر يكون مرتبطاً بقدرته على القيام بهذه الوظيفة، ولعل بلوغ الولد الحادية والعشرين من العمر مع قدرته على توفير مستلزمات المعيشة لأسرته يؤهله للزواج المبكر،
كما يستفاد من الاحاديث الواردة عن النبي «ص» وأهل بيته الأطهار: «فان رضيت أخلاقه لإحدى وعشرين، وإلاّ فاضرب على جنبه فقد أعذرت إلى الله تعالى».
6ـ في هذه المرحلة ـ من سن الخامسة عشرة إلى الحادية والعشرين ـ يحاول الاب والأم أن يوجها الولد أو البنت إلى دراسة القرآن الكريم وعلومه وكتب الفقه وكتب العقائد والسيرة والتأريخ على قدر استطاعتهما
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
سلمت ياغالي على اختيارك الراقي .. وطرحك الرائع ..
دمــت ،،
انّ السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية البحث هو: هل تنتهي مسؤولية الأب والأم عند زواج الولد أو البنت؟
إن زواج الولد والبنت من مسؤوليات الوالدين.
قال رسول الله «ص»: «من حق الولد على والده ثلاث: يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه اذا بلغ».
إن مسؤولية الوالدين تجاه البنت تستمر حتى تتزويج البنت وتنتقل من بيت والديها إلى بيت الزوجية، ومسؤولية الوالدين تجاه الولد تستمر حتى يتزوج الولد، أو يبلغ الحادية والعشرين من عمره. وبعد ذلك تتحوّل مسؤولية الوالدين من التربية المباشرة إلى الارشاد، وإبداء المشورة وإعطاء النصيحة
إن بناء الأسرة المسلمة الصالحة مسؤولية عظيمة، وهي الغاية التي يهدف الإسلام إلى تحقيقها في جميع أحكامه وتشريعاته، لأن الاسرة الصالحة هي التي تبني مع غيرها من الأسر الصالحة المجتمع المسلم الصالح الذي يقوم بوظيفة الاستخلاف في الأرض. وإن هذه المسؤولية العظيمة ألقاها الله تعالى على عاتق الأم والأب، وهي مسؤولية وأمانة قبلها الأب والأم حين جمع بينهما رباط الزوجية المقدس، والله تعالى سائلهما عنها ومحاسبهما عليها
وســـــــــلامتــكـــــــــتم
تحيــــــــاتي
..
شاطئ الأمان
14-12-04, 02:36
أخي الساري
قرئت نص الموضوع وبرجع انشالله بقرأ النص التاني
يعطيك 1500 عافية على تعبك وجهدك وانشالله نكون امهات مستقبل وينشأ جيل على التربية الاسلامية الصحيحة ونستفيد كلنا من هدا الموضوع الله يجزيك الخير ويجعلها في ميزانك شكرا مرة تانية
:FL:
عسّـــافة الخيــــــــل
15-12-04, 03:50
الساري ؛؛
يعطيك العافيه على هالموسوعه المتعلق بالاسره
صج ماقصرت
تحياتي وعساك على القوه :)
صدى الوجدان
16-12-04, 04:29
الأخ الفاضل : الساري
بارك الله فيك على هذا النقل الطيب ..
أسأل الله أن يعيش الجميع في كنف أسرة اسلامية مثالية
تقبل خالص الشكر والتقدير لشخصك الكريم .
الساري
يعطيك العافيه على هذا الجهد
والأسرة هي نواة تكوين المجتمع
ان صلحت صلح المجتمع ،، وان تفككت تفكك
شكرا أخوي
تحياتي
دلوعة ماما
23-12-04, 07:01
الساري..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ابدعت أخي الفاضل..
موضوع في قمة الأهمية..وماأجمل من الأسرة..والأهم تقدير الأسرة..
فالأسرة شيء غالٍ ثمين..لا يشعر بقيمة الأسرة..إلا من حُرم منها..
حفظ الله لكم أسركم جميعا..
آمين
vBulletin® v3.7.3, Copyright ©2000-2008, TranZ by Almuhajir