المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمور حذر النبي صلى الله عليه و سلم ( السادس والسابع)


رشيد محمد
05-06-07, 06:28
حكم الإسلام في الرشوة

عن أبى حميد الساعدى رضي الله عنه قال : استعمل النبي صلي الله علية وسلم رجلا من الأزد يقال له : "ابن اللتبية " على الصدقة ، فلما قدم قال : هذا لكم ، وهذا أهدى إلى !!.
قال : فقام رسول الله صلي الله علية وسلم ،فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
"أما بعد :
فإني أستعمل الرجل منكم علي العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول : هذا لكم وهذا هدية أهديت لي ، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله بحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدكم منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر "، ثم رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه يقول : "اللهم هل بلغت ".

أخي المسام : في هذه " الوصية " يحذر النبي الكريم صلي الله عليه وسلم من استغلال المناصب ، وينكح جماح كل من ولاه الله تعالى منصبا عن أموال الناس وهداياهم ، ويبين فيها : أن من استعمل علي عمل فمد يده لهدايا الناس أو أموالهم فهو آثم ومرتش

تعريف الرشوة :
الرشوة : ـ بفتح الراء وكسرها ـ هي ما يمده المحتاج من مصانعة ومال ونحوه لنيل حاجة متعذرة .
"أو هي :ما يدفعه ظالم لأخذ حق ليس له ، أو لتفويت حق علي صاحبه انتقاما منه ومكرا به ، وللحصول علي مناصب ليس جديرا به ، أو عمل ليس أهلا له .
والرشوة : مأخوذة من الرشا أو الرشاء وهو " الدلو " أو "الحبل الذي يدلى ف البئر من أجل الحصول علي الباقية .
فهو يمد للحاكم حبال مودته الكاذبة من أجل أن ينال ما يريد منه بأيسر طريق ، وأخس وسيلة غير مبال بما يترتب علي ذلك من العواقب المهلكة والجرائم المزرية بالأخلاق والقيم " .
وهى : ضرب من ضروب أكل أموال الناس بالباطل ، وهى ماحقة للبركة ومزيلة لها .
والراشي: المعطي للرشوة .
والمرتشي : الآخذ لها .
والرائش : الوسيط بينهما .

تحريم الرشوة بالكتاب والسنة :
جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تحذر من الرشوة ، ومن أكل أموال الناس بالباطل :
قال تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحاكم لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ".
أي : لا تدلوا بأموالكم إلى الحاكم ، أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم .

وعن أبى أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا ".

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم " .؟ رواه الترمذى وحسنه وابن حبان في "صحيحة " والحاكم ، وزادوا : "والرائش " .

وعن عبد اله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لعنه الله علي الراشي والمرتشي ".

ومن الآثار قال ابن مسعود رضي الله عنه : " الرشوة في الحكم كفر ، وهي بين لناس سحت ".
وعنه رضي الله عنه ، قال : " السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضي فيهدى إليك هدية فتقبلها منه " .

أنواعها :
الرشوة ثلاثة أنواع :
النوع الأول : ما يتوصل به إلى أخذ شيء بغير حق كالتي يدفعها الجاهل الآثم ن لحاكم أو مسئول من أجل الحصول علي إعفاء من شيء وجب عليه أداؤه ، أو للحصول علي شيء قبل أوانه ، أو من أجل ترويج سلعة فاسدة ، أو من أجل أن يحظى بصيد ثمين في مزاد علني أو مناقصة عالمية ، وما أشبه ذلك من الأمور التي يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل . وهذا النوع هو من أشد الأنواع جرما وأعظمها إثما وأكبرها خطرا على المجتمع .. قال الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحاكم لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون " .

النوع الثاني : ما يتوصل به إلى تفويت حق على صاحبه انتقاما منه بدافع من الغيرة والحسد وما إلى ذلك . وهو قريب من النوع الأول بل هو داخل فيه . وهل هناك شيء أكبر جرما من ظلم الأخ لأخيه بمثل هذه الوسيلة المخزية المردية ؟! ليس في العالمين أخبث سريرة ، وأسوأ سيرة من ذلكم المحتال على الحاكم ، لحماهم على تضييع الأمانة ، وتفويت الحقوق على مستحقيها .

النوع الثالث : ما يتوصل به إلى منصب أو عمل وهو حرام بإجماع الأمة ....وتشتد الحرمة إذا كان الراشي ليس جديرا بهذا المنصب ، ولا أهلا لذاك العمل " .

متى تجوز الرشوة:أجاز العلماء دفع الرشوة من أجل رفع ظلم أو رد حق ، شريطة أن يتيقن من أنه لا يستطيع التوصل إلى دف هذا الظلم أو ر هذا الحق إلا إذا دفع رشوة لمن بيده القدرة علي ذلك . والإثم هنا يقع على الآخذ دون المعطي . وذلك لأن المشقة تجلب التيسير .. والله تعالى يقول : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ". ورفع الحرج له أصل في أصل في الشريعة ، شريطة أن تقدر الضرورة بقدرها . وقال تعالى : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " . فهذه الآية عامة تشمل بعمومها كل مضطر معرض للخطر المحقق ،والضرر المحدق . ولا يجوز أن تتسع دائرة الإباحة في هذا الأمر لتشمل كل اضطرار فهناك ضر خفيف لا يقاوم إثم الرشوة وما يترتب عليها من غضب وعقاب ! وبالجملة : فالإنسان أبصر بنفسه ، وهو المسئول وحده عن تصرفه بين يدي الله يوم القيامة ، هل كان معذورا أم لا ؟ والسعيد من أعد للسؤال جوابا . فإذا تعرض لدفع رشوة وهو كاره ، ومضطر فلا جناح عليه عند جمهور العلماء ، ولكن عليه أن يتبع السيئة بالحسنة . أما المرتشي فإن عليه من الوزر ما تقشعر منه القلوب والأبدان . إن ذنب الرشوة لا يقل عن الربا لما فيها من استغلال القوى للضعيف ، والحاكم للمحكوم ، ولما يترتب عليها من ضياع للحقوق وإفساد للذمم وإغطاط الأخلاق .

وقال الحافظ الذهبي : ـرحمه الله تعالى ـ: "قال العلماء .... وإنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم ، أو ينال بها ما لا يستحق . أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له ويدفع عن نفسه ظلما فإنه غير داخل في اللعنة . وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام أبطل بها حقا أو دفع بها ظلما . وقد روى من حديث آخر : " إن اللعنة على الرائش " أيضا وهو الساعي بينهما ، وهما تابع للراشي في قصده ، إن كان خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته " وبالجملة : فالرشوة من أجل دفع الضرر ورد الحق الضائع جائزة شرعا وعرفا بشرطين .
الأول : تيقنه من استحالة نيل حقوقه إلا بها (وتكون بقدر الضرورة فقط ) .
والثاني : ألا يستحل ذلك ، بل يستنكره في نفسه على الأقل ، ويستغفر الله تعالى .

أخي المسلم : لقد سمعت عن عقوبة الراشي والمرتشي والرائش في الآخرة وهي اللعن والطرد من رحمة الله . وسمعت شيئا عن مفاسدها في المجتمع ، أفلا يكون في ذلك ، راعا عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه ، ولكل مخلص يحافظ علي دينه ومجتمعه ؟!. كيف يرضي مسلم أن يعرض نفسه لغضب الله وعقوبته ؟ بل كيف يرضي أن يخون دينه وأمانته ؟. هل يليق بمؤمن يعرف الله ويوقن باليوم الآخر أن يسعى في فساد المجتمع وإبادته ؟!.

إن الرشوة : " تطمس الحق ، وتحجب العدل ، وتكون سببا في ضياع الحقوق وإعطاء من لا يستحق ما ليس له ، كما تساعد على إخفاء الجرائم ، وتستر القبائح ، وتقلب الوقائع . وقد تقدم غير الكفء على الكفء ، وترفع الخامل ،وتخفض المجد ، وتنفع الغنى القادر وتضر الفقير المحتاج وقد تجلب لبلاد المسلمين المواد الفاسدة والمخدرة والسموم والمحرمات وتتيح التجسس ويحل الغش محل الإخلاص ، والخيانة محل الأمانة ... وما ترتب على ذلك من المفاسد والآثار البالغة السوء على الأفراد والجماعات والأمة الإسلامية ، ولهذا كانت الرشوة في نظر أهل الدنيا جريمة يعاقب عليها القانون ، وخيانة وطنية ، وهي في نظر الشرع إثم عظيم ، وقد تكون وسيلة للكفرـوالعياذ بالله ـ إذا أحلت حراما وحرمت حلالا وهذا ما ينطق به الواقع المؤلم !!!. فما فشت الرشوة في أمة إلا وحل فيها الغش محل النصح ، والخيانة محل الأمانة ، والخوف محل الأمن ، والظلم محل العدل . فالرشوة مهدرة للحقوق ،معطلة للمصالح ، مجرئة للظلمة والمفسدين . ما فشت في مجتمع إلا وآنت بهلاكه".

والخلاصة :
1ـ التحذير من الرشوة والإعانة عليها .قال تعالى : "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ".
2ـ الرشوة سبب مباشر لعدم إجابة الدعاء ، لأن الحرام يوصد أبواب السماء أمام الداعي !! وفى "صحيح مسلم "حين ذكر النبي صلي الله علية وسلم " الرجل يطيل السفر أشعت أغير يمد يديه إلى السماء يا رب ، وطعمه من حرام ، ومشربه من حرام ، وملبسة من حرام ، وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟!".
3ـ الرشوة سبب مباشر لدخول النار . ففي " صحيح البخاري ": أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : "إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : "إن الله عز وجل قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله عز وجل يعطى الدنيا من يجب ومن لا يجب ، ولا يعطى الدين إ من أجب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، ولا يكسب مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار . إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ،ولكن يمحو السيئ بالحسن . إن الخبيث لا يمحو الخبيث ".
4 ـ الرائش يعين المرتشي على الظلم ، والله تعالى يقول : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ". وقال مكحول الدمشقي ـ رحمه الله تعالى ـ: "ينادى مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأعوانهم ؟ فما يبقى أحد مد لهم حبرا أو حبر لهم دواة أو برى لهم قلما فما فوق ذلك إلا حضر معهم فيجمعون في تابوت من نار فيلقون في جهنم " .
5 ـ الرشوة تؤدى إلى اختلال ميزان العدالة في المجتمع ، وإحداث خلل فيه ، قد يؤدى إلى ضياعه وانهياره . قال الشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:" إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ويخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة!".
6- الهدايا التي تقدم للموظفين من الرعية ، تعد رشوة مقنعة ، لذا أنكر النبي صلي الله عليه وسلم على " ابن اللتبية " قائلا : " أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا ؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حق إلا لقي الله يحمله يوم القيامة." الحديث
7ـ وجوب محاسبة الموظفين والقائمين على أعمال داخل الدولة أو خارجها من جهة ولاة الأمور إذا حدث تجاوز كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم مع " ابن اللتبية "
ضمائر الأبرار :
سطر الأنبياء والصالحون مواقف مشهودة في يقظة الضمير ، ونظافة السيد والاستعلاء على الشهوات والشبهات :
فها هو " سليمان علية السلام " يرفض الرشوة في إباء واستعلاء ، فعندما قالت "ملكة سبأ ": "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ". ماذا فعل "سليمان علية السلام "؟. قال الله تعالى : "فلما جاء سليمان قال آتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ". صمود مبارك أمام الإغراء .
وعن سليمان بن يسار .أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يبعث ابن رواحه إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود ، فجمعوا حليا من نسائهم ، فقالوا : هذا لك وخفف عنا !!.
قال : يا معشر يهود ! والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلى ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم ، والرشوة سحت .
فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض .
فيا أخا الإسلام : كن حارسا على دينك وضميرك ، واحرص على أخرتك ومصيرك ، " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ". " اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام ، واكنفنا بركنك الذي لا يرام ، فلا نهلك وأنت رجاؤنا ".

متى يحل دم المسلم

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لا يحل دم أمري مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .

أخي المؤمن : هذا الحديث المبارك . . شوكة في حلق المجرمين والمضلين . . لذا قوبل باعتراضات " ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب ". لقد أعلن النبي صلي اله عليه وسلم فيه الحرب على الفساد . . وأمر فيه بالهجوم على مواقع الرذيلة وحرصها . . وتقليم أظافر المجرمين وردعها . قال الإمام ابن رجب ـ رحمه الله ـ في شرحه لهذا الحديث ـ ما مختصره : " وفيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمد رسول الله ، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين . فأما زنى " الثيب " فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت ، وفد رجم النبي صلي الله عليه وسلم " ماعز " و " الغامدية " . وقد استنبط ابن عباس الحكم من القرآن من قوله تعالى : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " . قال : " فمن كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب " ثم تلا هذه الآية وقال "كان الرجم مما أخفوا ". واخرج " مسلم " في " صحيحة " من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين وقال في حديثه : فأنزل الله ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) وأنزل ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) في الكفار كلها .

وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ، ثم جعل الله لهن سبيلا . ففي " صحيح مسلم " عن عبادة عن النبي صلي الله عليه قال : " خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " . وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء وأوجبوا جلد الثيب مائة ثم رجمه ، كما فعل على رضي الله عنه بشراحة الهمدانية وقال: " جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم " . ويشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر . وجاءت السنه برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضا ، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد وإسحاق ، وهو قول الحسن وطائفة من السلف . وقالت طائفة منهم : إن كان الثيبان شيخين جلدا ورجما ، وإن كانا شابين رجما بغير جلد ، لأن ذنب الشيخ أقبح ، لا سيما بالزنا ، وهذا قول أبى بن كعب ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضا .

وأما النفس بالنفس : فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمدا فإنه يقتل بها . وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " . وقال تعالى : " وكتبنا عليهم فيها إن النفس بالنفس " . ويستثنى من عموم قوله تعالى : "النفس بالنفس " صور :
منها : أ ن يقتل الوالد ولده ، فالجمهور على أنه لا يقتل به ، وصح ذلك عن عمر رضي الله عنه .
وقال مالك : " إن تعمد قتله تعمدا لا يشك فيه مثل أن يذبحه ، فإنه يقتل به ، وإن حذفه بسيف أو عصي لم يقتل " .
وقال الليث : " يقتل بقتله بجميع وجوه العمد للعمومات ".
ومنها : أن يقتل الحر عبدا فالأكثرون على أنه لا يقتل به وقد وردت في ذلك أحاديث أسانيدها مقال .
ومنها : أن يقتل المسلم كافرا ، فإن كان حربيا لم يقتل به بغير خلاف ، لأن قتل الحربي مباح بلا ريب ، وإن كان ذميا أو معاهدا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا .
وفي "صحيح البخاري " عن على عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " لا يقتل مسلم بكافر " .
ومنها : أن يقتل الرجل أمراه فيقتل بها بغير خلاف وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إن الرجل يقتل بامرأة " وصح" أنه صلي الله عليه وسلم قتل يهوديا قتل جاريه " وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى رجل شيء . وروى عن على أنه يدفع إليهم نصف الدية ، لأن دية المرأة نصف دية الرجل وهو قول طائفة من السلف وأحمد في رواية عنه .

وأما التارك لدينه المفارق للجماعة : فالمراض به من ترك الإسلام وأرتد عنه وفارق جماعة المسلمين كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان ، وأنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة وحكم الإسلام لازم له ، ولهذا يستتاب ويطلب منه العود إلى الإسلام . وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين العلماء .

وأيضا فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين ويدعي الإسلام ، كما إذا جحد شيء من أركان الإسلام أو سب الله ورسوله، أ وكفر ببعض الملائكة أو النبيين ، أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك . وفي "صحيح البخاري " عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من بدل دينه فاقتلوه " . ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء .

ومنهم من قال : " لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل دار الحرب في الحرب وإنما يقتل رجالهم " . وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي . والجمهور فرقوا بينهما ، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام ، ولهذا يقتل بالردة عنهم من لا يقتل من أهل الحرب كالشيخ الفاني والزمن والأعمى ولا يقتلون في الحرب . وقوله صلي الله عليه وسلم : " التارك لدينه المفارق للجماعة " : يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام لا يقتل ، لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه ولا مفارق للجماعة " . قلت : وهناك من أرتد عن الإسلام في الصدر الأول ، ثم عاد إلى الإسلام وتاب وحسن إسلامه ، وأبلى بلاء حسنا ، ومنهم من نال الشهادة في سبيل الله مثل : " طليحة بن خويلد " رضي الله عنه ، و " عبد الله بن سعد بن أبي السرح " الذي مات بين السليمتين في صلاة الصبح !!.

نماذج من حول فرعيات الردة :
الأول : الاستتابة :
كثر عند الفقهاء القول بأن المرتد يستتاب إيقاع الحد عليه . وذهبوا في هذه الاستتابة عدة مذاهب : فالأكثرون يقولون بأنها واجبة على ولاة الأمر ، وحق للمرتد نفسه، وقليل منهم قال : إن الاستتابة مستحبة وليست واجبة . . . ومنهم من قال : أنه يقتل فورا فلا تجب استتابته ولا تستحب .والراجح هو الرأي الأول .

الثاني : المرتد الذي يقتل : إذا تحققت الردة من مسلم فجمهور الفقهاء يقول إنه يقتل إن لم يتب ، سواء أكان رجلا أو امرأة . وخالف الحنفية فقالوا : إن المرأة إذا ارتدت ولم تتب لا تقت ، بل تحبس مدى الحياة ويعرض عليها الإسلام كل يوم ! أخذ الجمهور بدلالة العموم في قوله صلي الله عليه وسلم : " من بدل دينه فاقتلوه " لأن " من بدل دينه " لم يفرق بين الرجل والمرأة . وأخذ الحنفية بقياس المسلة إذا ارتدت على المرأة الكافرة كفرا أصليا ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم نهى المسلمين عن قتل النساء الحربيات إذا نشب بين قومهن وبين المسلمين حرب ، فجعلوا النهى عن قتل الحربيات مخصصا للعموم الوراد في "من بدل دينه فاقتلوه " ثم قاسوا المرتدة على الحربية .

الثالث : مصير مال المرتد :
إذا ارتد المسلم ولم يتب ثم قتل فما هو مصير ماله الذي تركه ؟ للفقهاء مذاهب في هذا الفرع أقواها وأولادها بالقبول : أن ماله الذي اكتسبه حال إسلامه قبل ارتداده هو لورثته الشرعيين أما ما اكتسبه حال ردته قبل قتله فلا يرثه ورثته لاختلاف الدين حال كسب المال" قلت : وحد الردة ثابت بالسنة القولية والفعلية ، ففي عام الفتح أمر النبي صلي الله عليه وسلم بقتل ابن وكان مسلما ثم ارتد ورجع إلى مكة . ولما علم بقدوم موكب الفتح . . . هرع إلى المسجد الحرام وتعلق بأستار الكعبة ، ورغم هذه الحيلة أمر النبي صلي الله عليه وسلم بقتله !"
ولكن يقال على هذا : إنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الخصال الثلاث :فمنها :
اللواط : وقد جاء في حديث ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : (اقتلوا الفاعل و المفعول به)-حديث صحيح اخرجه أبو داوود (4462) و الترمذي (1456) واخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد وقالوا : إنه موجب للقتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن . وروى : أن النبي صلي الله علية وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه ، وأخذ بذلك طائفة من العلماء وأوجبوا قتله مطلقا محصنا كان أو غير محصن .
ومنها : الساحر : وفي الترمذى من حديث جندب مرفوعا : " حد الساحر ضربة بالسيف " وذكر أن الصحيح وقفه على جندب ، وهو مذهب جماعة من العلماء منهم : عمر بن عبد العزيز ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، ولكن هؤلاء يقولون : إنه يكفر بسحره فيكون حكمه حكم المرتد .
ومنها : قتل من وقع ببهيمة : وقد ورد في حديث مرفوع وقال به طائفة من العلماء .
ومنها : من ترك الصلاة : فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم : إنه ليس بكافر ، وقد سبق ذكر ذلك مستوفي .
ومنها : قتل شارب الخمر في المرة الرابعة : وقد ورد الأمر به عن النبي صلي الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأكثر العلماء على أن القتل نسخ .وفي " صحيح البخاري " أن رجلا كان يؤتى به للنبي صلي الله عليه وسلم في الخمر ، فلعنه رجل وقال : ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلي الله عليه وسلم : " لا تعلنه فإنه يجب الله ورسوله " ولم يقتله بذلك .
ومنها : ما روى عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " أخرجه مسلم .
ومنها : قوله صلي الله عليه وسلم : " من أتاكم جميع رجل على رجل واحد ، فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه " وفي رواية : " فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان "
ومنها : من شهر السلاح : فخرج النسائي من حديث ابن الزبير رضي الله عنه عن النبي صلي الله علية وسلم قال : " من شهر السلاح ثم وضعه فدمه هدر " وسئل أحمد ـ رحمه الله ـ عن معني هذا الحديث فقال : ما أدرى ما هذا .وقال إسحاق بن راهويه : إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس ، فقد حل قتله . وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنساء والذرية .

وقد روى عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق ، فخرج الحاكم من رواية علقمة ابن أبى علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة سعيد بن العاص ، وتلفت به عليه ، فأمسكه الناس عنه ، فدخل المولى على عائشة ، فقالت : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : " من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله وجب دمه ، فأخذه مولاه فقتله " . وقال : صحيح على شرط الشيخين . وقد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :" من قتل دون ماله فهو شهيد ". وفي رواية " من قتل دون دمه فهو شهيد " . فإذا أريد مال المرء أو دمه عنه بالأسهل هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله ، وهل يجب أن ينوى أنه لا يريد قتله أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد ، وذهب طائفة إلى أن من ماله أو دمه أبيح له قتله ابتداء . ودخل على ابن لص ، فقام إليه بالسيف صلتا ، فلولا أنهم حالوا بينه وبينه لقتله . وسئل الحسن عن لص دخل بيت ومعه حديدة ، قال : اقتله بأي قتله قدرت عليه . وهؤلاء قتله وإن ولى هاربا من غير جناية ، منهم أبو أيوب السختيانى . ومنها : قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس لكفار على المسلمين وقد توقف فيه أحمد . وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك ، وابن عقيل ، ومن الماليكة من قال : إن تكرر ذلك منه أبيح قتله واستدل من أباح قتله بقول النبي صلي الله عليه وسلم في حق " حاطب بن أبى بلعتة " كما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلي الله عليه وسلم إليهم ، ويأمرهم بأخذ حذرهم ، فاستأذن عمر في قتله فقال صلي الله عليه وسلم : "إنه شهد بدرا " . فلم يقل : إنه لم يأت بما يبيح دمه ، وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهود بدرا ومغفرة الله لأهل بدر وهذا المائع منتف في حق من بعده . ومنها : ما خرجه أبو داود في " المراسيل " من رواية ابن المسيب أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من ضرب أباه فاقتلوه " .

أخي الحبيب : هذه هي أحكام الإسلام الرادعة للمجرمين . . والقاطعة لدابر المفسدين . . شرعها الله تعالى صيانة للدين والمال والعرض والنفس والعقل . . فمتى ترى النور في حياة المسلمين ؟!. إن أي قانون في العالم غير شريعة الإسلام قد فشل في منع الجريمة . . وتقليص ظل الانحلال . . لأن قوانين الأرض تداعب المنحرفين وتساند المضلين !!. فما أحوج البشرية إلى شريعة ربها ، إذا أرادت الخروج من مأزقها والنهوض من كيوتها " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ؟

عزفـ ـ الحنين
06-06-07, 01:25
.
.
أخي الكريم رشيد محمد
.
.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
.
.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
.
.

شهاب المعرفه
06-06-07, 02:14
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي رشـــيد سلمت يداك وبارك الله فيك الله يطول في عمرك
موضوع يستحق القراءه .

اخوك الشهاب

ابوعمر
06-06-07, 02:24
بسم الله الرحمن الرحيم

اخى رشيد

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

dodo
30-06-07, 10:27
رشيد محمد ..

جزاك الله خيـــــــــر ..

وكتبها الله في ميازين حسنتاكـ ..

ودمت في حفظه ..

رشيد محمد
17-07-07, 10:17
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكرا لإخوة على المرور الكريم

وجزاكم الله خيرا