رشيد محمد
05-06-07, 05:56
التحذير من الغلو في الدين
عن ابن عباس رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلي الله علية وسلم غداة العقبة وهو علي ناقته:(القط لي حصى ). فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف ، فجعل ينفضهن في كفة في كفة و يقول : (أمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ).
أخي المسلم : الغلو في الدين آفة قديمة في جميع الأمم السابقة ، وقد كانت هذه الآفة الخطيرة سببا لهلاكها كما قال صلي الله علية وسلم :(فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) .من أجل ذلك جاءت الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية محذرة من هذه الآفة .. ومبينة ما يترتب على الغلو من أضرار ..
فمن الآيات :
قولة تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق )
قال تعلى : (قل يا أهل لكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل )
وجاء في (صحيح البخاري ) (كتاب الاعتصام بالسنة ) :(باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع )، لقوله تعالى :( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا علي الله إلا الحق )
قال الحافظ ابن حجر :(التعميق ـ فهو بالمهمة وبتشديد الميم ثم قاف ـ ومعنا التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه ).
وقال : (وأما الغلو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ، وفيه معنى التعمق ) .
وقال تعالي : ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطا ).
قال الإمام ابن الجوزىـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية : ( وأصل ذلك أن خير الأشياء أوسطها ، والغلو والتقصير مذموما ، وذكر ابن جبر الطبري أنه من التوسط في الفعل ، فإن المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود ، فإنهم قتلوا الأنبياء وبدلوا كتاب الله ، ولم يغلوا كالنصارى ، فإنهم زعموا أن عيسى ابن الله !!)
ومن الأحاديث :
فالأحاديث التي حذرت من الغلو ونهت عنه كثيرة ، منها :
قوله صلي الله علية وسلم : ( هلك المتنطعون ) قالها ثلاثا . قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في الشرح الحديث : (المتنطعون ): أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم
وروى البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله علية وسلم يسألون عن عبادة النبي صلي الله علية وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا : أين نحن من النبي صلي الله علية وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر !.
قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا .
وقال الأخر : وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر .
وقال الأخر : وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا !!.
فجاء رسول الله صلي الله علية وسلم إليهم فقال : ( أنتم الذين قتلهم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فلي منى )
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي ( خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية ) وكانت عند (عثمان بن مظعون ) ، قالت : فرأى رسول الله صلي الله علية وسلم بذاذة هيئتها ، فقال لي : (يا عائشة ما أبذهيئة خويلة !).
قلت : فقلت يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار ويقوم الليل ، فهي كمن لا زوج لها ، فتركت نفسها وأضاعتها .
قلت : فبعث رسول الله صلي الله علية وسم إلى (عثمان بن مظعون )، فجاءه فقال : (يا عثمان أرغبه عن سنتي ؟ ).
فقال : لا والله يا رسول الله ، ولكن سنتك أطلب .
قال : ( فإني أنام وأصلي ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فاتق الله يا عثمان ، فإن لأهلك عليك حقا ، وإن لضيفك عليك حقا ، وإن لنفسك عليك حقا ، فصم وأفطر وصل ونم )
وفي رواية :(يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا ، أفمالك في أسوة؟ فوالله إني أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده ).
وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علية وسلم : (إن مما أتخوف عليكم رجل قرأن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك ).
قال : قلت : يا بنى الله أيهما أولى بالشرك المرمى أو الرامي ؟
قال : (بل الرامي )
وعن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلي الله علية وسلم بالجعرانة "موضع قرب مكة وهو يقسم التبر " الذهب والفضة قبل أن يصاغ" والغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: أعدل يا محمد! فإنك لم تعدل!!!.
فقال:" ويلك ومن يعدل بعدى إذا لم أعدل ؟".
فقال عمر : دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق .
فقال رسول الله صلي الله علية وسلم : "إن هذا في أصحاب ـ أو أصيحاب ـ له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمى ".
ومن مظاهر الغلو في هذا العصر :
تكفير المجتمع على العموم ، حتى وصل الأمر ببعضهم أنهم كفروا من لا يوافقهم على أرائهم !!.
وهناك من يتوقف في الناس فلا يحكم عليهم بشيء حتى يتحقق من صحة عقيدتهم .
وهناك من يحرم الصلاة في مساجد المسلمين ، وبعضهم يقول : لا نصلى إلا وراء من نعرف عقيدته !!.
الدعوة الي العنف والخروج علي المسلمين بالسلاح ، وقتل الأبرياء وإثارة الفتن والقلاقل وعدم مراعاة حرمة دماء المسلمين.
يزعم بعضهم إن جماعتهم الوحيدة المسلمة في العالم !!.
رفض إجماع الأمة ، والطعن في أئمة الدين وانتقاص حقهم.
التشدد في الفرعيات : وهذا يقع في كثير من الدعاة . وهو التزامهم التشدد في كل الأمور ، وكأن الأحكام الشرعية عند هؤلاء أصبحت حكمين ، الحرام والواجب ،مع إن الأحكام الشرعية تنقسم إلي خمسة أقسام معروفة ، والشريعة الغراء مبنية علي التيسير والتخفيف ورفع الحرب .
قال تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ). ويا ليت هؤلاء أعذروا من خالفهم في هذه المسائل الفرعية ، وأحسنوا الظن بهم ووسعوا صدورهم لقبول الاختلاف في الرأي والاجتهاد ، ليتهم سلكوا هذا المسلك ، لهان الخطب حينئذ ، ولكن الواحد منهم يراى ما يتبناه من أمور اجتهادية بمنزلة وحي السماء ، وكل مخالف لها هالك أو ضال أو زائغ أو مبدع أو متبع لهواه ... الخ . إلى غير ذلك من مظاهر الغلو التي كان سببا في نفر الناس من التدين .
أسباب الغلو : والغلو في الدين له عدة أسباب ، منها :
أولاً: قلة التفقه في الدين :
" تجرأ بعض الناس علي إصدار الأحكام ـ خاصة في الأمر العقدية ـ من خلال نظرتهم غير المتعمقة في بعض الآيات القرآنية ، أو الأحاديث النبوية دون علم ببقية النصوص المتصلة بمناط الاستشهاد ، أو أخذهم بالمتشابهات وترك المحكمات ، أو بالجزئيات مع إغفال القواعد الكلية ، مع أن الواجب على كل من يتصدر للفتوى خاصة في الناحية العقدية أن يكون محيطا بالتأويل وأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، و الأساليب اللغوية المختلفة مما يجعلنا نوصي لطلب العلم ، ونؤكد على أهمية الحرص علي التفقه في الدين والالتزام للتخصص الدقيق وقت الحاجة الضرورية فالعامل علي غير علم قد يفسد أكثر مما يصلح ، والأخذ بظواهر النصوص في كل حال كان من أهم الأسباب التي أوجدت الفرقة بين كثير من المسلمين"
قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:
" العامل علي غير علم كالسالك علي غير طريق ، والعامل علي غير علم ، ما يفسد أكثر مما يصلح فطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، و اطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم ، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم ، حتى خرجوا بأسيافهم علي أمة محمد صلي الله علية وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم علي ما فعلوه "
وفي ضوء ما سبق ندرك لماذا شدد الفقها علي التأني في الفتوى والتمهل في الحكم ، فقد كان " عمر بن الخطاب" رضى الله عنه وهو من هو ، لو عرضت علية مسألة يجمع لها أهل بدر . فليتقى الله أقوام ـ في هذا العصر ـ يتجرءون علي الفتوى : وتسورون أسوار النصوص بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. حتى يقول قائلهم : " إن الأفغان أشد خطرا من الشيوعيين لأن الأفغان أحناف وهم يقرءون خلف الأمام في الصلة !!. ألم يعلم هؤلاء إن صحابة رسول صلي الله علية وسلم اختلفوا فيما بينهم في أمور ومسائل ، ولم يحل ذلك بينهم وبين التحاب والتناصر وجهاد الخصوم الحقيقيين للإسلام والمسلمين معا ؟ !!.
ثانياً: الاستعلاء علي الغير بالعبادة :
قد يتخذ بعض الناس من عبادته سببا للاستعلاء علي غيرة ، وينظر إليهم نظرة فيها شيء من السخرية والتحقير ، ظننا منه أن العلماء تهاونوا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يدرى ـ المسكين ـ أن جمهرة العلماء قرروا أن السكوت على المنكر مخافة الوقوع في منكر أكبر منه واجب تطبيقا لقاعدة : " ارتكاب أخف الضررين واجب " .
التحذير من الكذب
عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه ،قال : دعتني أمي يوما ،ورسول الله صلي الله علية وسلم قاعد في بيتنا ، فقالت: ها تعال أعطلك ، فقال لها رسول الله صلي الله علية وسلم : (ما أدرت أن تعطيه ؟ ) . فقال لها رسول الله صلي الله علية وسلم : ( أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة ! ).
أخي المسلم : اعلم أن الكذب من قبائح الذنوب ، وفواحش العيوب . قال إسماعيل بن واسط : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخطب بعده وفاة رسول الله صلي الله علية وسلم فقال :قام فينا رسول الله صلي الله علية وسلم مقامي هذا عام أول ـ ثم بكي ـ وقال : (إياكم والكذب فإنه مع الجور وهما في النار )
تعريف الكذب :
الكذب :هو الكلام علي خلاف الحقيقة ،وهو :أصل الذي بني علية النفاق ! . وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . هذا ، والإسلام لاحترامه الشديد للحق ، طارد الكذابين ، وشديد عليهم بالنكير . عن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلي الله علية وسلم من الكذب ، ما اطلع علي أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة ) ولا غرو فلقد كان السلف الصالح يتلاقون علي الفضائل ويتعارفون بها ، فإذا أساء السيرة وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ بدا بعمله هذا كالأجرب بين الأصحاب فلا يطيب له مقام بينهم حتى يبرأ من علته !!. وبالجملة : فالكذب رذيلة محضة تنبئ عن تمن الفساد في نفس صاحبها !!.
أنواع الكذب :
اعلم ـ أخي الكريم ـ أن الكذب ثلاثة أنواع : النوع الأول : الكذب علي الله :
وبعد هذا النوع أفحش أنواع الكذب ، وأعلاه : (أ) أن يجعل الإنسان مع الله إلها آخر :
قال تعالي : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون J الحق من ربك فلا تكن من الممترين J فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين ).
(ب) تكذيب الله تعالي فيما أخبر :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله علية وسلم قال : (قال تعالي : كذبني ابن آدم ، ولم لم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك . فأما تكذيبه إياي ، فقوله :لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته . وأما شتمه إياي ،فقوله :اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد )
(ج) تحريم ما أحل ، أو تحليل ما حرم :
قال تعالي : ( قل أر أيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم علي الله تفترقون J وما ظن الذين يفترون علي الله الكذب يوما القيامة ....).
النوع الثاني :الكذب علي الرسل :
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : (إن كذبا علي ليس ككذب علي أحد فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار ) ويدخل في نطاق هذا الافتراء، سائر ما ابتدعته الجهال ، وأقحموه في دين الله من محدثات لا أصل لها ، عدها العوام دينا ، وما هي بدين !! وقد نبه النبي صلي الله عليه وسلم أمته إلى مصادر هذه البدع المنكرة ، وحذر من الانقياد إلى تيارها ، وتمسك المسلمين بأي كتابتهم وسنة سلفهم ، قال : (يكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون يحدثونكم بما تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم ، لا يضلونكم ولا يفتنوكم ) .
قلت : رأينا بعضهم ، وسمعنا أحاديثهم وهم يكذبون السنة الصحيحة وينكرون عذاب القبر ونعمته ، والشفاعة ، وحد الردة ، ويقولون : (إن حجاب المرأة بدعة يهودية )! ، ودولة الخلفاء الراشدين كانت علمانية !! وغير ذلك من الأضاليل والأباطيل .
النوع الثالث : الكذب علي الناس :
أحصي الشارع الحكيم مز الق الكذب ، وأوضح سوء عقباها ، حتى لا يبقي لا حد منفذ إلي الشرود عن الحقيقة ، أو الاستهانة بتقريرها . فالمرء قد يستسهل الكذب حين يمزج حاسبا أن مجال الله لا خطر فيه !! هنا يقول النبي صلي الله عليه وسلم : (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له ، ويل له ) ويدخل في نطاق الكذب علي الناس : شهادة الزور ، وإنفاق السلعة بالخلف الكاذب ، والغش في البيع والشراء ..الخ .
قال صلي الله علية وسم : (كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كذب ) ونظرا لما يترتب علي الكذب من أضرار ، أوصي الإسلام بغرس الصدق في نفوس الأطفال حتى يثبوا عليها ، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها ، لذا قال النبي صلي الله علية وسلم لأم عبد الله بن عامر : ( أما إنك لو لم تعه شيئا كتبت عليك كذبة ).
النهي عن الإطراء :
(هناك فريق من الناس يتخذ المدائح الفارغة بضاعة يتملق بها الأكابر ويصوغ من الشعر القصائد المطولة ، ومن الثر الخطب المرسلة ، فيكيل الثناء جزافا ويهرف بما لا يعرف وربما وصف بالعدالة الحكام الجائزين .. ووصف بالشجاعة الأغبياء الخوارين ، ابتغاء عرض من الدنيا ند هؤلاء وأولئك . هذا الصنف من الأذناب الكذبة ، أوصي الرسول صلي الله عليه وسلم بمطاردتهم ، حتى يرجعوا من تزويدهم ، بوجوه عفرها الخزى والحرمان .
عن أبي هريرة ،قال : (أمرنا رسول اله أن نحثو في وجوه المداحين التراب ). وقد ذكر شراح الحديث : أن المداحين المعنيين هنا : ( هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة ، ستأكلون به الممدوح ، فأما من مح علي الأمر الحسن والفعل المحمود ـ ترغيبا في أمثاله، وتحريضا للناس علي الاقتداء به ـ فليس بمداح ). والحدود التي يقف عندها المسلم ، ويخرج بها من تبعة الملق والمبالغة ، وينتفع بها ممدوحة ، فلا يزله إلى العجب والكبرياء ، قد بينها النبي صلي الله علية وسلم .
أثني رجل علي رجل عند رسول الله ، فقال له : (ويحك قطعت عنق صاحبك ) ـ قالها ثلاثا ـثم قال : (من كان مادحا أخاه لا محالة فليقل : أحسب فلانا ـ والله حسيسة ولا يزكي علي الله أحد ـ أحسب فلانا كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك منه )
أخي المسلم : ويمتد التحذير من الكذب ليشمل كل أنواع المعاملات :
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : (البيعان بالخيار مال يتفرقا ، فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعها ، وإن كذبا وكتما فعسي أن يرجا ربحا ما ، ويمحق بركة بيعهما ، اليمن الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب ).
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ).
قال : فقرأها رسول الله صلي الله علية وسلم ثلاث مرات ، فقلت : خابوا وخسروا ، ومن هم يا رسول الله ؟
قال : ( المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالخلف الكاذب )
ولا يجوز للبائع أن يغطي عيب بضاعته .
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : ( لا يحل لا مريء مسلم يبيع سلعته ، يعلم أن بها داء إلا أخبر به ).
وكذلك الحيف في (الشهادة) من أشنع الكذب ، وأضره علي الإنسان
قال تعالي : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم أو الو الدين و الأقربين إن يكن غناء أو فقيرا فالله أولي بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) .
إن التزوير كذب كثيف الظالمات، إنه لا يكتم الحق فحسب ، بل يمحقه ليثبت مكانه الباطل ، وخطره علي المجتمع شديد مبيد ، وهو دليل علي فساد الباطن .
قال تعالي : ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليهم ).
هذا وعلي المسلمين أن يجعلوا من كلمتهم قانونا مرعي الجانب ، يقفون عنده ويستمسكون به ، فإنه لمن المؤسف أن تكون الوعود المختلفة ، والحدود المائعة عادة مأثورة عن كثير من المسلمين ، مع أن دينهم جعل الوعود الكاذبة أمارة النفاق !!.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلي الله علية وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه مخلصة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر).
( قصة مؤثرة ):
قال الشيخ (عبد القادر الجيلاني):
بنت أمري علي الصدق ، وذلك أني خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم ، فأعطي أمي أربعين دينار ، وعاهدتني علي الصدق .ولما وصلنا أرض (مهدان ) خرج علينا عرب ، فأخذوا القافلة ، واحد منهم وقال : ما معك ؟.
قلت : أربعون دينار ، فظن أني أهزأ به ،فتركني . فرآني رجل آخر فقال ما حملك علي الصدق ؟
قلت: عاهدتني أمي علي الصدق ، فأخاف أن أخون عهدها . فصاح باكيا ، وقال : أنت تخاف أن تخون عهد أمك ، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله !!. ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة ، وقال: أنا تائب لله علي يديك .
فقال من معه : أنت كبيرنا في قطع الطريق ، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة . فتابوا جميعا ببركة الصدق وسببه .
أثار في النهي عن الكذب :
يروى أن موسى علية السلام قال : يا رب أي عبادك خير لك عملا ؟
قال : ( من لا يكذب لسانه ، ولا يفجر قلبه ، ولا يزني فرجة ).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (أحبكم إلينا ما لم نركم : أحسنكم اسما ، فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة )
وقال علي رضى الله عنه : ( أعظم الخطايا عند الله : اللسان الكذوب ، وشر الندامة : ندامة يوم القيامة ).
وقال الشعبي ـ رحمة الله تعالي ـ (ما أدرى أيهما أبعد غورا في النار الكذاب أو البخيل ).
وقال مالك بن دينار ـ رحمة الله تعالي ـ : قرأت في بعض الكتب : (ما من خطيب إلا وتعرض خطبته علي عمله فإذا كان صادقا صدق ، وإن كان كاذبا قرضت شفتاه بماقريض من نار كلما قرضتا نبتتا !!.)
وقال ـرحمة الله ـ : ( الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه ).
ما رخص فيه من الكذب :
اعلم أن الكذب لي حراما لعينه بل لما فيه من الضرر علي المخاطب أو علي غيره ، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء علي خلاف ما هو علية فيكون جاهلا ، وقد يكون الكذب مأذونا فيه وربما كان واجبا .
قال ميمون بن مهران ـ رحمة الله ـ : الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، أريت لو أن رجلا سعي خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دار فانتهي إليك فقال : أرأيت فلانا ؟ ما كنت قائلا ؟ ألست تقول : لم أره ؟ وما تصدق به . وهذا الكذب الواجب .
قلت : وفي الحديث : عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلي الله علية وسلم قال : (من حمى مؤمنا من منافق أراه قال : بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جنهم ...) فمهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن ، لأنه إذا فتح باب الكذب علي نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه والي ما لا يقتصر على حد الضرورة ، فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة.
وعن أم كلثوم قالت : ما سمعت رسول الله صلي الله علية وسلم رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرجل يقول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها . قلت : قوله : ( والرجل يحد امرأته ...) أي : من أجل أن يرضيها ، أو يستميل قلبها إليه ، وكذلك بالنسبة لها يجوز لها أن تنتقى من الكلام أحسنه ،أو تضفي عليه أوصافا لم يصل إليها ، تأليفا للقلوب ، وترطيبا للحياة بين الزوجين .
أخي : أما ما عدا ما رخص فيه من الكذب فهو حرام يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار . ويكفى الكذب ذما أنه صفة متأصلة في اليهود!!.
قال تعالى : ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ).
وهو من ذنوب إبليس !. قال تعالي : (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين J فدلاهما بغرور ).
فيا أخا الإسلام : عليك بالصدق ، واعلم أنك إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة . (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ). اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعيننا من الخيانة ، وألسنتنا من الكذب .
التحذير من النميمة
عن ابن عباس رضي الله عنه : أن رسول الله صلي الله علية وسلم مر بقبرين يعذبان ، فقال : (إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير : أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الأخر فكان لا يستتر من بوله
أخي المسلم : في هذا (الحديث ) تحذير شديد من عملين كبيرين تسبب كل واحد منهما في تعذيب صاحبه في قبرة :
الأول :النميمة .
والثاني : عدم الاستتار من البول
وحديثنا يدور ـ هنا ـ حول (النميمة) ما هي النميمة ؟ وما أدلة تحريمها ؟. وما الأسباب الباعثة عليها ؟. ومتى تجوز ؟. وما موقفنا من أهلها ؟. هذا ما سوف نفصله على السطور القادمة ـ إن شاء الله ـ .
النميمة :
هي نقل الحديث بين الناس على جهة الإفساد بينهم .. فالنمام يعمل جاسوسا لحساب الشيطان !!. فإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين .. فصاحب النميمة ذراعه في ذلك .. وسهمه الصائب في هذا المضمار . فكم من دماء سفكت بسبب وشاية كاذبة !. وكم من بيوت انهارت وأرحام قطعت بسبب كلمة فاجرة غادرة . لذا فالنميمة عند الله أشد من قتل النفس !!. قال تعالي : (والفتنه أشد من القتل ).
أدلة تحريمها :
النميمة حرام بإجماع المسلمين ، وقد ظاهرت علي تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة :
قال تعالى : (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم )
قال عبد الله بن البارك ـ رحمة الله ـ :الزنيم : ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث .
وقال تعالى : (ويل لكل همزة لمزة ) قيل : الهمزة : النمام .
وقال تعالى : (وامرأته حمالة الحطب ). قيل : كانت نمامة حمالة للحديث .
وقال صلى الله علية وسلم ( لا يدخل الجنة نمام ). وفى رواية : (قتات ). قال الحفظ المنذرى : والقتات والنمام بمعنى واحد، وقيل النمام : الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم . والقتات : الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم .
وعن أبى هريرة قال : كنا نمشى مع رسول الله صلى لله علية وسلم فمررنا على قبرين فقام فقمنا معه ، فجعل لونه يتغير حتى رعد كم قميصه ، فقلنا : ما لك يا رسول الله ؟.
فقال : (أما تسمعون ما أسمع ؟ ) .
فقلنا : وما ذاك يا نبي الله ؟
قال : ( هذان رجلان يعذبان في قبورهم عذابا شديدا في ذنب هين ).
قلنا : فيم ذاك ؟.
قال : (كان أحدهما لا يستنزه من البول ، وكان الآخر يؤذى الناس بلسانه ، ويمشى بينهم بالنميمة ).
فدعا بجريدتين من جرائد النخل ، فجعل في كل قبر واحدة ، قلنا: وهل ينفعهم ذلك ؟
قال : ( نعم يخفف عنهما ما دامتا رطبين ).
قال الإمام المنذرى رحمه الله ـ: ( قوله : في ذنب هين ) أي هين عندهما ، وفي ظنهما ، لا أنه هين في نفس الأمر ، فقد تقدم في حديث ابن عباس قوله صلي الله علية وسلم (بلي إنه كبير )، وقد أجمعت الأمة علي تحريم النميمة ، وأنهما من أعظم الذنوب عند الله تعالي ).
وقال صلى الله علية وسلم : (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبراء العنت )
الأسباب الباعثة علي النميمة :
الأسباب الباعثة علي النميمة ، كثيرة نذكر منها سببين :
الأول : فساد القلب وظلمة السر وسوء الطوية .
والثاني : الحقد الدفين .
متى تجوز النميمة ؟ :تجوز النميمة لمصلحة شرعية .. كأن يكون هناك تأمر ضد الدولة مثلا من جهة معادية ، أو تأمر يستهدف عرض مسلم أو ماله أو أرضه أو دمه وسمعت عن هذا التآمر فواجب عليك (شرعا ) تحذير المستهدف من هذا الخطر . وفي الحديث : (من حمى مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمى لحمة يوم القيانة من نار جهنم ). وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه عبد الله بن أبى يقول : ( لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل ). فذكرت ذلك لعمي ـ أو لعمرت ـ فذكره للنبي صلى الله علية وسلم فدعاني فحدثته ، فأرسل رسول الله صلي الله علية وسلم إلى عبد بن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فكذبني رسول الله صلي الله عليه وسلم وصدقه ، فأصابني هم لم يصبني مثله قط ، فجلست مثله قط ، فجلست في البيت ، فقال لي عمى ما أردت إلى أن كذبك رسول اله صلي الله علية وسلم ومقتك ، فأنزل الله تعالي : (إذا جاءك المنافقون ) فبعث إلى النبي صلي الله علية وسلم فقرا فقال : (إن الله صدقك يا زيد )
كيف نتعامل مع أهل النميمة ؟
قال الأمام الغزالي ـ رحمة الله تعالى ـ ما مختصره : (كل من حملت إليه النميمة ،وقيل له : إن فلانا قال فيك كذا وكذا ، أو فعل في حقك كذا ،أو هو يدبر في إفساد أمرك ، أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجرى مجراه ، فعليه ستة أمور :
الأول : أن لا يصدقه لأن النمام فاسق ، وهو مردود الشهادة . قال تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ....)
والثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله . قال تعالى : ( وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر ).
والثالث : أن يبغضه في الله تعالي فإنه بغيض عند الله تعالي ويجب بغض من يبغضه الله تعالي .
الرابع : أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقوله تعالي : (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ).
الخامس : أن لا يحملك ما حكى لك علي التجسس والبحث لتتحق ، اتباعا لقوله تعالي : (ولا تجسسوا ) .
السادس : أن لا ترضي لنفسك ما نهيت النمام عليه ، ولا تحكي نميمته فتقول : فلان قد حكى لي كذا وكذا ، فتكون به نماما ومغتابا ، وقد تكون قد أتيت ما عند نهيت .
وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) .وإن شئت عفونا عنك ؟
فقال : العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا .
وقال الحسن : (من نم إليك ، نم عليك ).
وقال رجل لعمرو بن عبيد : إن الأسوارى ما يزال يذكرك في قصصه بشر ، فقال له عمرو : يا هذا ما رعيت حق مجالسه الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ، ولكن أعلمه أن يعمنا ، والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين . وعلي الجملة : فشر النمام عظيم.
(حكاية) :قال حماد بن سلمة : ( باع رجل عبدا وقال للمشترى : ما فيه عيب إلا النميمة .
قال : رضيت . فاشتره ، فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه : إن سيدي لا يحبك وهو يريد إن (يتزوج عليك ) أو يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومة شعرات حتى أسحره عليها فيجبك .
ثم قال للزوج : إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك ، فتنام لها حتى تعرف ذلك ، فتناوم لها .. فجاءت المرأة بالموسى ، أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها ، فجا أهل المرأة فقتلوا الزوج ، ووقع القتال بين القبلتين !!).
فيها أيها المسلم : إذا عرفت هذا الخطر .. فكن منهم على حذر .. ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين .
عن ابن عباس رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلي الله علية وسلم غداة العقبة وهو علي ناقته:(القط لي حصى ). فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف ، فجعل ينفضهن في كفة في كفة و يقول : (أمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ).
أخي المسلم : الغلو في الدين آفة قديمة في جميع الأمم السابقة ، وقد كانت هذه الآفة الخطيرة سببا لهلاكها كما قال صلي الله علية وسلم :(فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) .من أجل ذلك جاءت الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية محذرة من هذه الآفة .. ومبينة ما يترتب على الغلو من أضرار ..
فمن الآيات :
قولة تعالى : (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق )
قال تعلى : (قل يا أهل لكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل )
وجاء في (صحيح البخاري ) (كتاب الاعتصام بالسنة ) :(باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع )، لقوله تعالى :( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا علي الله إلا الحق )
قال الحافظ ابن حجر :(التعميق ـ فهو بالمهمة وبتشديد الميم ثم قاف ـ ومعنا التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه ).
وقال : (وأما الغلو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ، وفيه معنى التعمق ) .
وقال تعالي : ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطا ).
قال الإمام ابن الجوزىـ رحمه الله ـ في تفسيره لهذه الآية : ( وأصل ذلك أن خير الأشياء أوسطها ، والغلو والتقصير مذموما ، وذكر ابن جبر الطبري أنه من التوسط في الفعل ، فإن المسلمين لم يقصروا في دينهم كاليهود ، فإنهم قتلوا الأنبياء وبدلوا كتاب الله ، ولم يغلوا كالنصارى ، فإنهم زعموا أن عيسى ابن الله !!)
ومن الأحاديث :
فالأحاديث التي حذرت من الغلو ونهت عنه كثيرة ، منها :
قوله صلي الله علية وسلم : ( هلك المتنطعون ) قالها ثلاثا . قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في الشرح الحديث : (المتنطعون ): أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم
وروى البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله علية وسلم يسألون عن عبادة النبي صلي الله علية وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا : أين نحن من النبي صلي الله علية وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر !.
قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا .
وقال الأخر : وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر .
وقال الأخر : وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا !!.
فجاء رسول الله صلي الله علية وسلم إليهم فقال : ( أنتم الذين قتلهم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر ، وأصلى وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فلي منى )
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي ( خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية ) وكانت عند (عثمان بن مظعون ) ، قالت : فرأى رسول الله صلي الله علية وسلم بذاذة هيئتها ، فقال لي : (يا عائشة ما أبذهيئة خويلة !).
قلت : فقلت يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار ويقوم الليل ، فهي كمن لا زوج لها ، فتركت نفسها وأضاعتها .
قلت : فبعث رسول الله صلي الله علية وسم إلى (عثمان بن مظعون )، فجاءه فقال : (يا عثمان أرغبه عن سنتي ؟ ).
فقال : لا والله يا رسول الله ، ولكن سنتك أطلب .
قال : ( فإني أنام وأصلي ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء ، فاتق الله يا عثمان ، فإن لأهلك عليك حقا ، وإن لضيفك عليك حقا ، وإن لنفسك عليك حقا ، فصم وأفطر وصل ونم )
وفي رواية :(يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا ، أفمالك في أسوة؟ فوالله إني أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده ).
وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علية وسلم : (إن مما أتخوف عليكم رجل قرأن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك ).
قال : قلت : يا بنى الله أيهما أولى بالشرك المرمى أو الرامي ؟
قال : (بل الرامي )
وعن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلي الله علية وسلم بالجعرانة "موضع قرب مكة وهو يقسم التبر " الذهب والفضة قبل أن يصاغ" والغنائم، وهو في حجر بلال، فقال رجل: أعدل يا محمد! فإنك لم تعدل!!!.
فقال:" ويلك ومن يعدل بعدى إذا لم أعدل ؟".
فقال عمر : دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق .
فقال رسول الله صلي الله علية وسلم : "إن هذا في أصحاب ـ أو أصيحاب ـ له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمى ".
ومن مظاهر الغلو في هذا العصر :
تكفير المجتمع على العموم ، حتى وصل الأمر ببعضهم أنهم كفروا من لا يوافقهم على أرائهم !!.
وهناك من يتوقف في الناس فلا يحكم عليهم بشيء حتى يتحقق من صحة عقيدتهم .
وهناك من يحرم الصلاة في مساجد المسلمين ، وبعضهم يقول : لا نصلى إلا وراء من نعرف عقيدته !!.
الدعوة الي العنف والخروج علي المسلمين بالسلاح ، وقتل الأبرياء وإثارة الفتن والقلاقل وعدم مراعاة حرمة دماء المسلمين.
يزعم بعضهم إن جماعتهم الوحيدة المسلمة في العالم !!.
رفض إجماع الأمة ، والطعن في أئمة الدين وانتقاص حقهم.
التشدد في الفرعيات : وهذا يقع في كثير من الدعاة . وهو التزامهم التشدد في كل الأمور ، وكأن الأحكام الشرعية عند هؤلاء أصبحت حكمين ، الحرام والواجب ،مع إن الأحكام الشرعية تنقسم إلي خمسة أقسام معروفة ، والشريعة الغراء مبنية علي التيسير والتخفيف ورفع الحرب .
قال تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ). ويا ليت هؤلاء أعذروا من خالفهم في هذه المسائل الفرعية ، وأحسنوا الظن بهم ووسعوا صدورهم لقبول الاختلاف في الرأي والاجتهاد ، ليتهم سلكوا هذا المسلك ، لهان الخطب حينئذ ، ولكن الواحد منهم يراى ما يتبناه من أمور اجتهادية بمنزلة وحي السماء ، وكل مخالف لها هالك أو ضال أو زائغ أو مبدع أو متبع لهواه ... الخ . إلى غير ذلك من مظاهر الغلو التي كان سببا في نفر الناس من التدين .
أسباب الغلو : والغلو في الدين له عدة أسباب ، منها :
أولاً: قلة التفقه في الدين :
" تجرأ بعض الناس علي إصدار الأحكام ـ خاصة في الأمر العقدية ـ من خلال نظرتهم غير المتعمقة في بعض الآيات القرآنية ، أو الأحاديث النبوية دون علم ببقية النصوص المتصلة بمناط الاستشهاد ، أو أخذهم بالمتشابهات وترك المحكمات ، أو بالجزئيات مع إغفال القواعد الكلية ، مع أن الواجب على كل من يتصدر للفتوى خاصة في الناحية العقدية أن يكون محيطا بالتأويل وأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، و الأساليب اللغوية المختلفة مما يجعلنا نوصي لطلب العلم ، ونؤكد على أهمية الحرص علي التفقه في الدين والالتزام للتخصص الدقيق وقت الحاجة الضرورية فالعامل علي غير علم قد يفسد أكثر مما يصلح ، والأخذ بظواهر النصوص في كل حال كان من أهم الأسباب التي أوجدت الفرقة بين كثير من المسلمين"
قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:
" العامل علي غير علم كالسالك علي غير طريق ، والعامل علي غير علم ، ما يفسد أكثر مما يصلح فطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، و اطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم ، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم ، حتى خرجوا بأسيافهم علي أمة محمد صلي الله علية وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم علي ما فعلوه "
وفي ضوء ما سبق ندرك لماذا شدد الفقها علي التأني في الفتوى والتمهل في الحكم ، فقد كان " عمر بن الخطاب" رضى الله عنه وهو من هو ، لو عرضت علية مسألة يجمع لها أهل بدر . فليتقى الله أقوام ـ في هذا العصر ـ يتجرءون علي الفتوى : وتسورون أسوار النصوص بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. حتى يقول قائلهم : " إن الأفغان أشد خطرا من الشيوعيين لأن الأفغان أحناف وهم يقرءون خلف الأمام في الصلة !!. ألم يعلم هؤلاء إن صحابة رسول صلي الله علية وسلم اختلفوا فيما بينهم في أمور ومسائل ، ولم يحل ذلك بينهم وبين التحاب والتناصر وجهاد الخصوم الحقيقيين للإسلام والمسلمين معا ؟ !!.
ثانياً: الاستعلاء علي الغير بالعبادة :
قد يتخذ بعض الناس من عبادته سببا للاستعلاء علي غيرة ، وينظر إليهم نظرة فيها شيء من السخرية والتحقير ، ظننا منه أن العلماء تهاونوا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يدرى ـ المسكين ـ أن جمهرة العلماء قرروا أن السكوت على المنكر مخافة الوقوع في منكر أكبر منه واجب تطبيقا لقاعدة : " ارتكاب أخف الضررين واجب " .
التحذير من الكذب
عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه ،قال : دعتني أمي يوما ،ورسول الله صلي الله علية وسلم قاعد في بيتنا ، فقالت: ها تعال أعطلك ، فقال لها رسول الله صلي الله علية وسلم : (ما أدرت أن تعطيه ؟ ) . فقال لها رسول الله صلي الله علية وسلم : ( أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة ! ).
أخي المسلم : اعلم أن الكذب من قبائح الذنوب ، وفواحش العيوب . قال إسماعيل بن واسط : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخطب بعده وفاة رسول الله صلي الله علية وسلم فقال :قام فينا رسول الله صلي الله علية وسلم مقامي هذا عام أول ـ ثم بكي ـ وقال : (إياكم والكذب فإنه مع الجور وهما في النار )
تعريف الكذب :
الكذب :هو الكلام علي خلاف الحقيقة ،وهو :أصل الذي بني علية النفاق ! . وهو محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة . هذا ، والإسلام لاحترامه الشديد للحق ، طارد الكذابين ، وشديد عليهم بالنكير . عن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلي الله علية وسلم من الكذب ، ما اطلع علي أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة ) ولا غرو فلقد كان السلف الصالح يتلاقون علي الفضائل ويتعارفون بها ، فإذا أساء السيرة وحاول أن ينفرد بمسلك خاطئ بدا بعمله هذا كالأجرب بين الأصحاب فلا يطيب له مقام بينهم حتى يبرأ من علته !!. وبالجملة : فالكذب رذيلة محضة تنبئ عن تمن الفساد في نفس صاحبها !!.
أنواع الكذب :
اعلم ـ أخي الكريم ـ أن الكذب ثلاثة أنواع : النوع الأول : الكذب علي الله :
وبعد هذا النوع أفحش أنواع الكذب ، وأعلاه : (أ) أن يجعل الإنسان مع الله إلها آخر :
قال تعالي : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون J الحق من ربك فلا تكن من الممترين J فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله علي الكاذبين ).
(ب) تكذيب الله تعالي فيما أخبر :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله علية وسلم قال : (قال تعالي : كذبني ابن آدم ، ولم لم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك . فأما تكذيبه إياي ، فقوله :لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته . وأما شتمه إياي ،فقوله :اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد )
(ج) تحريم ما أحل ، أو تحليل ما حرم :
قال تعالي : ( قل أر أيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم علي الله تفترقون J وما ظن الذين يفترون علي الله الكذب يوما القيامة ....).
النوع الثاني :الكذب علي الرسل :
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : (إن كذبا علي ليس ككذب علي أحد فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار ) ويدخل في نطاق هذا الافتراء، سائر ما ابتدعته الجهال ، وأقحموه في دين الله من محدثات لا أصل لها ، عدها العوام دينا ، وما هي بدين !! وقد نبه النبي صلي الله عليه وسلم أمته إلى مصادر هذه البدع المنكرة ، وحذر من الانقياد إلى تيارها ، وتمسك المسلمين بأي كتابتهم وسنة سلفهم ، قال : (يكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون يحدثونكم بما تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم ، لا يضلونكم ولا يفتنوكم ) .
قلت : رأينا بعضهم ، وسمعنا أحاديثهم وهم يكذبون السنة الصحيحة وينكرون عذاب القبر ونعمته ، والشفاعة ، وحد الردة ، ويقولون : (إن حجاب المرأة بدعة يهودية )! ، ودولة الخلفاء الراشدين كانت علمانية !! وغير ذلك من الأضاليل والأباطيل .
النوع الثالث : الكذب علي الناس :
أحصي الشارع الحكيم مز الق الكذب ، وأوضح سوء عقباها ، حتى لا يبقي لا حد منفذ إلي الشرود عن الحقيقة ، أو الاستهانة بتقريرها . فالمرء قد يستسهل الكذب حين يمزج حاسبا أن مجال الله لا خطر فيه !! هنا يقول النبي صلي الله عليه وسلم : (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له ، ويل له ) ويدخل في نطاق الكذب علي الناس : شهادة الزور ، وإنفاق السلعة بالخلف الكاذب ، والغش في البيع والشراء ..الخ .
قال صلي الله علية وسم : (كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كذب ) ونظرا لما يترتب علي الكذب من أضرار ، أوصي الإسلام بغرس الصدق في نفوس الأطفال حتى يثبوا عليها ، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها ، لذا قال النبي صلي الله علية وسلم لأم عبد الله بن عامر : ( أما إنك لو لم تعه شيئا كتبت عليك كذبة ).
النهي عن الإطراء :
(هناك فريق من الناس يتخذ المدائح الفارغة بضاعة يتملق بها الأكابر ويصوغ من الشعر القصائد المطولة ، ومن الثر الخطب المرسلة ، فيكيل الثناء جزافا ويهرف بما لا يعرف وربما وصف بالعدالة الحكام الجائزين .. ووصف بالشجاعة الأغبياء الخوارين ، ابتغاء عرض من الدنيا ند هؤلاء وأولئك . هذا الصنف من الأذناب الكذبة ، أوصي الرسول صلي الله عليه وسلم بمطاردتهم ، حتى يرجعوا من تزويدهم ، بوجوه عفرها الخزى والحرمان .
عن أبي هريرة ،قال : (أمرنا رسول اله أن نحثو في وجوه المداحين التراب ). وقد ذكر شراح الحديث : أن المداحين المعنيين هنا : ( هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة ، ستأكلون به الممدوح ، فأما من مح علي الأمر الحسن والفعل المحمود ـ ترغيبا في أمثاله، وتحريضا للناس علي الاقتداء به ـ فليس بمداح ). والحدود التي يقف عندها المسلم ، ويخرج بها من تبعة الملق والمبالغة ، وينتفع بها ممدوحة ، فلا يزله إلى العجب والكبرياء ، قد بينها النبي صلي الله علية وسلم .
أثني رجل علي رجل عند رسول الله ، فقال له : (ويحك قطعت عنق صاحبك ) ـ قالها ثلاثا ـثم قال : (من كان مادحا أخاه لا محالة فليقل : أحسب فلانا ـ والله حسيسة ولا يزكي علي الله أحد ـ أحسب فلانا كذا وكذا ، إن كان يعلم ذلك منه )
أخي المسلم : ويمتد التحذير من الكذب ليشمل كل أنواع المعاملات :
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : (البيعان بالخيار مال يتفرقا ، فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعها ، وإن كذبا وكتما فعسي أن يرجا ربحا ما ، ويمحق بركة بيعهما ، اليمن الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب ).
وعن أبى ذر رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ).
قال : فقرأها رسول الله صلي الله علية وسلم ثلاث مرات ، فقلت : خابوا وخسروا ، ومن هم يا رسول الله ؟
قال : ( المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالخلف الكاذب )
ولا يجوز للبائع أن يغطي عيب بضاعته .
قال رسول الله صلي الله علية وسلم : ( لا يحل لا مريء مسلم يبيع سلعته ، يعلم أن بها داء إلا أخبر به ).
وكذلك الحيف في (الشهادة) من أشنع الكذب ، وأضره علي الإنسان
قال تعالي : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم أو الو الدين و الأقربين إن يكن غناء أو فقيرا فالله أولي بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) .
إن التزوير كذب كثيف الظالمات، إنه لا يكتم الحق فحسب ، بل يمحقه ليثبت مكانه الباطل ، وخطره علي المجتمع شديد مبيد ، وهو دليل علي فساد الباطن .
قال تعالي : ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليهم ).
هذا وعلي المسلمين أن يجعلوا من كلمتهم قانونا مرعي الجانب ، يقفون عنده ويستمسكون به ، فإنه لمن المؤسف أن تكون الوعود المختلفة ، والحدود المائعة عادة مأثورة عن كثير من المسلمين ، مع أن دينهم جعل الوعود الكاذبة أمارة النفاق !!.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلي الله علية وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كان فيه مخلصة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر).
( قصة مؤثرة ):
قال الشيخ (عبد القادر الجيلاني):
بنت أمري علي الصدق ، وذلك أني خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم ، فأعطي أمي أربعين دينار ، وعاهدتني علي الصدق .ولما وصلنا أرض (مهدان ) خرج علينا عرب ، فأخذوا القافلة ، واحد منهم وقال : ما معك ؟.
قلت : أربعون دينار ، فظن أني أهزأ به ،فتركني . فرآني رجل آخر فقال ما حملك علي الصدق ؟
قلت: عاهدتني أمي علي الصدق ، فأخاف أن أخون عهدها . فصاح باكيا ، وقال : أنت تخاف أن تخون عهد أمك ، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله !!. ثم أمر برد ما أخذوه من القافلة ، وقال: أنا تائب لله علي يديك .
فقال من معه : أنت كبيرنا في قطع الطريق ، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة . فتابوا جميعا ببركة الصدق وسببه .
أثار في النهي عن الكذب :
يروى أن موسى علية السلام قال : يا رب أي عبادك خير لك عملا ؟
قال : ( من لا يكذب لسانه ، ولا يفجر قلبه ، ولا يزني فرجة ).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (أحبكم إلينا ما لم نركم : أحسنكم اسما ، فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة )
وقال علي رضى الله عنه : ( أعظم الخطايا عند الله : اللسان الكذوب ، وشر الندامة : ندامة يوم القيامة ).
وقال الشعبي ـ رحمة الله تعالي ـ (ما أدرى أيهما أبعد غورا في النار الكذاب أو البخيل ).
وقال مالك بن دينار ـ رحمة الله تعالي ـ : قرأت في بعض الكتب : (ما من خطيب إلا وتعرض خطبته علي عمله فإذا كان صادقا صدق ، وإن كان كاذبا قرضت شفتاه بماقريض من نار كلما قرضتا نبتتا !!.)
وقال ـرحمة الله ـ : ( الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه ).
ما رخص فيه من الكذب :
اعلم أن الكذب لي حراما لعينه بل لما فيه من الضرر علي المخاطب أو علي غيره ، فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء علي خلاف ما هو علية فيكون جاهلا ، وقد يكون الكذب مأذونا فيه وربما كان واجبا .
قال ميمون بن مهران ـ رحمة الله ـ : الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، أريت لو أن رجلا سعي خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دار فانتهي إليك فقال : أرأيت فلانا ؟ ما كنت قائلا ؟ ألست تقول : لم أره ؟ وما تصدق به . وهذا الكذب الواجب .
قلت : وفي الحديث : عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلي الله علية وسلم قال : (من حمى مؤمنا من منافق أراه قال : بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جنهم ...) فمهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن ، لأنه إذا فتح باب الكذب علي نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه والي ما لا يقتصر على حد الضرورة ، فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة.
وعن أم كلثوم قالت : ما سمعت رسول الله صلي الله علية وسلم رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرجل يقول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها . قلت : قوله : ( والرجل يحد امرأته ...) أي : من أجل أن يرضيها ، أو يستميل قلبها إليه ، وكذلك بالنسبة لها يجوز لها أن تنتقى من الكلام أحسنه ،أو تضفي عليه أوصافا لم يصل إليها ، تأليفا للقلوب ، وترطيبا للحياة بين الزوجين .
أخي : أما ما عدا ما رخص فيه من الكذب فهو حرام يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار . ويكفى الكذب ذما أنه صفة متأصلة في اليهود!!.
قال تعالى : ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ).
وهو من ذنوب إبليس !. قال تعالي : (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين J فدلاهما بغرور ).
فيا أخا الإسلام : عليك بالصدق ، واعلم أنك إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة . (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ). اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعيننا من الخيانة ، وألسنتنا من الكذب .
التحذير من النميمة
عن ابن عباس رضي الله عنه : أن رسول الله صلي الله علية وسلم مر بقبرين يعذبان ، فقال : (إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير : أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الأخر فكان لا يستتر من بوله
أخي المسلم : في هذا (الحديث ) تحذير شديد من عملين كبيرين تسبب كل واحد منهما في تعذيب صاحبه في قبرة :
الأول :النميمة .
والثاني : عدم الاستتار من البول
وحديثنا يدور ـ هنا ـ حول (النميمة) ما هي النميمة ؟ وما أدلة تحريمها ؟. وما الأسباب الباعثة عليها ؟. ومتى تجوز ؟. وما موقفنا من أهلها ؟. هذا ما سوف نفصله على السطور القادمة ـ إن شاء الله ـ .
النميمة :
هي نقل الحديث بين الناس على جهة الإفساد بينهم .. فالنمام يعمل جاسوسا لحساب الشيطان !!. فإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين .. فصاحب النميمة ذراعه في ذلك .. وسهمه الصائب في هذا المضمار . فكم من دماء سفكت بسبب وشاية كاذبة !. وكم من بيوت انهارت وأرحام قطعت بسبب كلمة فاجرة غادرة . لذا فالنميمة عند الله أشد من قتل النفس !!. قال تعالي : (والفتنه أشد من القتل ).
أدلة تحريمها :
النميمة حرام بإجماع المسلمين ، وقد ظاهرت علي تحريمها الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة :
قال تعالى : (ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم )
قال عبد الله بن البارك ـ رحمة الله ـ :الزنيم : ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث .
وقال تعالى : (ويل لكل همزة لمزة ) قيل : الهمزة : النمام .
وقال تعالى : (وامرأته حمالة الحطب ). قيل : كانت نمامة حمالة للحديث .
وقال صلى الله علية وسلم ( لا يدخل الجنة نمام ). وفى رواية : (قتات ). قال الحفظ المنذرى : والقتات والنمام بمعنى واحد، وقيل النمام : الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم . والقتات : الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم .
وعن أبى هريرة قال : كنا نمشى مع رسول الله صلى لله علية وسلم فمررنا على قبرين فقام فقمنا معه ، فجعل لونه يتغير حتى رعد كم قميصه ، فقلنا : ما لك يا رسول الله ؟.
فقال : (أما تسمعون ما أسمع ؟ ) .
فقلنا : وما ذاك يا نبي الله ؟
قال : ( هذان رجلان يعذبان في قبورهم عذابا شديدا في ذنب هين ).
قلنا : فيم ذاك ؟.
قال : (كان أحدهما لا يستنزه من البول ، وكان الآخر يؤذى الناس بلسانه ، ويمشى بينهم بالنميمة ).
فدعا بجريدتين من جرائد النخل ، فجعل في كل قبر واحدة ، قلنا: وهل ينفعهم ذلك ؟
قال : ( نعم يخفف عنهما ما دامتا رطبين ).
قال الإمام المنذرى رحمه الله ـ: ( قوله : في ذنب هين ) أي هين عندهما ، وفي ظنهما ، لا أنه هين في نفس الأمر ، فقد تقدم في حديث ابن عباس قوله صلي الله علية وسلم (بلي إنه كبير )، وقد أجمعت الأمة علي تحريم النميمة ، وأنهما من أعظم الذنوب عند الله تعالي ).
وقال صلى الله علية وسلم : (خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبراء العنت )
الأسباب الباعثة علي النميمة :
الأسباب الباعثة علي النميمة ، كثيرة نذكر منها سببين :
الأول : فساد القلب وظلمة السر وسوء الطوية .
والثاني : الحقد الدفين .
متى تجوز النميمة ؟ :تجوز النميمة لمصلحة شرعية .. كأن يكون هناك تأمر ضد الدولة مثلا من جهة معادية ، أو تأمر يستهدف عرض مسلم أو ماله أو أرضه أو دمه وسمعت عن هذا التآمر فواجب عليك (شرعا ) تحذير المستهدف من هذا الخطر . وفي الحديث : (من حمى مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمى لحمة يوم القيانة من نار جهنم ). وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه عبد الله بن أبى يقول : ( لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل ). فذكرت ذلك لعمي ـ أو لعمرت ـ فذكره للنبي صلى الله علية وسلم فدعاني فحدثته ، فأرسل رسول الله صلي الله علية وسلم إلى عبد بن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فكذبني رسول الله صلي الله عليه وسلم وصدقه ، فأصابني هم لم يصبني مثله قط ، فجلست مثله قط ، فجلست في البيت ، فقال لي عمى ما أردت إلى أن كذبك رسول اله صلي الله علية وسلم ومقتك ، فأنزل الله تعالي : (إذا جاءك المنافقون ) فبعث إلى النبي صلي الله علية وسلم فقرا فقال : (إن الله صدقك يا زيد )
كيف نتعامل مع أهل النميمة ؟
قال الأمام الغزالي ـ رحمة الله تعالى ـ ما مختصره : (كل من حملت إليه النميمة ،وقيل له : إن فلانا قال فيك كذا وكذا ، أو فعل في حقك كذا ،أو هو يدبر في إفساد أمرك ، أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجرى مجراه ، فعليه ستة أمور :
الأول : أن لا يصدقه لأن النمام فاسق ، وهو مردود الشهادة . قال تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ....)
والثاني : أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله . قال تعالى : ( وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر ).
والثالث : أن يبغضه في الله تعالي فإنه بغيض عند الله تعالي ويجب بغض من يبغضه الله تعالي .
الرابع : أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقوله تعالي : (اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ).
الخامس : أن لا يحملك ما حكى لك علي التجسس والبحث لتتحق ، اتباعا لقوله تعالي : (ولا تجسسوا ) .
السادس : أن لا ترضي لنفسك ما نهيت النمام عليه ، ولا تحكي نميمته فتقول : فلان قد حكى لي كذا وكذا ، فتكون به نماما ومغتابا ، وقد تكون قد أتيت ما عند نهيت .
وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر له عمر : إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) .وإن شئت عفونا عنك ؟
فقال : العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا .
وقال الحسن : (من نم إليك ، نم عليك ).
وقال رجل لعمرو بن عبيد : إن الأسوارى ما يزال يذكرك في قصصه بشر ، فقال له عمرو : يا هذا ما رعيت حق مجالسه الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ، ولكن أعلمه أن يعمنا ، والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين . وعلي الجملة : فشر النمام عظيم.
(حكاية) :قال حماد بن سلمة : ( باع رجل عبدا وقال للمشترى : ما فيه عيب إلا النميمة .
قال : رضيت . فاشتره ، فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه : إن سيدي لا يحبك وهو يريد إن (يتزوج عليك ) أو يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومة شعرات حتى أسحره عليها فيجبك .
ثم قال للزوج : إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك ، فتنام لها حتى تعرف ذلك ، فتناوم لها .. فجاءت المرأة بالموسى ، أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها ، فجا أهل المرأة فقتلوا الزوج ، ووقع القتال بين القبلتين !!).
فيها أيها المسلم : إذا عرفت هذا الخطر .. فكن منهم على حذر .. ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين .